مع تصاعد الأزمات واختلاط الأوراق، تبدو الحاجة ملحة إلى قراءة تحديات ومخاطر المنطقة العربية بدقة، واستجلائها بوضوح؛ حتى يمكن فرز وتوصيف هذه المخاطر، ومن ثم التعامل معها، فلا يمكن وصف العلاج قبل تشخيص المرض، والثابت أن الأمن العربي الجماعي يعاني من عدة أمراض مزمنة، وبناء على التجارب السابقة وعلى الأقل منذ إنشاء جامعة الدول العربية لم يتم تشخيص دقيق لأمراض الأمن القومي العربي، وليس أدل على ذلك من عدم الوصول إلى تعريف دقيق لمخاطر الأمن العربي طيلة 80 عامًا، بل عدم تعريف معنى متفق عليه لمصطلح "الأمن العربي"، وعدم التعريف قائم على أسباب موضوعية، فمن الثابت أن كل إقليم عربي له تحديات خاصة لا تتطابق مع أقاليم أخرى، فتحديات دول المغرب العربي تختلف عن تحديات دول مجلس التعاون الخليجي، ومشاكل الجنوب في الصومال واليمن تختلف عن تحديات منطقة الهلال الخصيب، ومع ذلك تعايشت المنطقة العربية مع هذه التحديات عند الحد الأدنى على الأقل، وفي إيجاز يمكن وضع الخطوط العريضة لتحديات المنطقة العربية منذ قيام جامعة الدول العربية وحتى تسعينيات القرن العشرين في الآتي: وجود الخطر الإسرائيلي وما ترتب على قيام إسرائيل من حروب وصراعات، و تداعيات الحرب الباردة، التي ألقت بظلالها على التيارات الفكرية والنخب السياسية العربية وفرضت نعرات قومية وثورية انتشرت منذ منتصف القرن العشرين، ثم التحديات التي ظهرت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران؛ نهاية السبعينيات وما حملته من أيدولوجيات، ثم الحرب الإيرانية / العراقية (1980/ 1988م)، وتلا هذه الحرب كارثة احتلال نظام صدام حسين للكويت عام 1990م، ما أجج الخلافات العربية ـ العربية، وجعل المنطقة أمام مفترق طرق وكان لهذا الغزو تأثير الصدمة العنيفة التي مازالت تداعياتها مستمرة حتى الآن، ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، وسقوط نظام صدام حسين وما ترتب عليه من تمدد النفوذ الإيراني بشكل غير مسبوق في المنطقة العربية، ما جعل إيران تناصب الدول العربية العداء وتتوغل في العديد منها، ثم جاءت الانتكاسة العربية الكبرى التي حملت اسم ثورات الربيع العربي، هذه الثورات التي كانت لها أسباب داخلية، وتخطيط خارجي لتفكيك المنطقة العربية ثم تحويلها إلى ساحة حرب مفتوحة بضراوة وتصعيد قوى متصارعة على المنطقة من داخلها وعلى حدودها ،حيث برز المشروع الإيراني، والمشروع التركي، والمشروع الإسرائيلي، والمشروع الإثيوبي، ناهيك عن مشروع الإسلام السياسي، في حين غاب المشروع العربي، تحت وطأة الانقسامات الداخلية، والتغذية الخارجية للخلافات العربية ـ العربية، مع زيادة الاختراقات، وتزامن ذلك مع خروج العديد من الدول العربية الفاعلة من منظومة العمل العربي المشترك.
في الوقت الحالي تتجلى تحديات الأمن العربي في الصراع الإيراني المفتعل مع دول مجلس التعاون الخليجي، والحرب بالوكالة التي تقودها الميليشيات المسلحة التابعة لإيران ومنها الحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، إضافة إلى الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتطوراته المخيفة، وكذلك الحروب في السودان والصومال والقرن الإفريقي، والوضع في ليبيا، والخلافات الجزائرية / المغربية، بل دخل تحدٍ جديد وهو الأمن البحري خاصة ما يهدد مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وهذا التحدي يحمل في طياته مخاطر أمنية / عسكرية واقتصادية مركبة وذات تأثير يتجاوز المنطقة العربية إلى العالم، ويفتح الباب لتدخلات خارجية.
وعلى ضوء ما سبق من إيجاز للتحديات الأمنية العربية.. كيف تكون الحلول؟؟ والإجابة السريعة تقول إن الحلول صعبة ومعقدة لاختلاف تأثير التداعيات من منطقة إلى أخرى مع تشتت القرار العربي والتدخلات الخارجية والفراغ الداخلي، لكن يبدو ثمة شعاع أمل خافت في نهاية النفق المظلم ويتمثل في الأمل المعقود على جامعة الدول العربية في عهد أمينها العام الجديد نبيل فهمي الذي ندعوه لوضع خارطة طريق لأوليات مخاطر الأمن العربي في شتى المناطق العربية، ثم البدء في مناقشتها في ورش عمل قطاعية لكل منطقة على حدة، ثم الخروج بتصور نهائي للحلول وعلى مراحل لمواجهة ما يحدث في منطقة الخليج وإسكات الحرب التي تقودها الميليشيات المسلحة بصفة عاجلة، وإنقاذ باب المندب والقرن الإفريقي والسودان وشمال إفريقيا، وهكذا حتى يمكن التهيئة لوضع حلول للتحديات العربية البينية طبقًا للأولويات، ثم الانطلاق نحو حلول القضايا الكبرى للمنطقة بشكل جماعي والتي لن تكون إلا بأيدي أبنائها، فلن تتدخل أي قوة إقليمية أو دولية إلا لسكب المزيد من الزيت على النار لتحقيق مصالحها على حساب أمن ومقدرات الدول العربية.





