أخذ النظام الدولي والإقليمي يتشكل على قواعد وأسس جديدة غير المتعارف عليها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتأسيس منظمة الأمم المتحدة منتصف أربعينيات القرن العشرين، هذه المنظمة التي رسمت تركيبة المجتمع الدولي بعد حربين عالميتين مدمرتين، وفشل المنظمات التي سبقتها وآخرها عصبة الأمم التي لم تستطع كبح جماح الصراع الدولي آنذاك ،وبناء على ذلك تشكل النظام الدولي ما بعد الحرب الكونية الثانية محملًا بمخاوف وطموحات ترجمتها الدول المنتصرة في ميثاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وكانت الهواجس المسيطرة على العالم حينها الخوف من عودة الأنظمة النازية والفاشية التي هددت استقرار العالم ، لذلك جعلت من مجلس الأمن الأداة القوية للسيطرة على العالم الجديد ومنحت الدول الخمس الكبرى صلاحيات واسعة للهيمنة العالمية، وسرعان ما تغولت دول "الفيتو" وأصبحت ذات وصاية على العالم، حتى انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار سور برلين لتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على العالم وتنصب نفسها القطب الأوحد، إلا أنه مع صعود الصين إلى مرتبة المنافسة الكونية ثم وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايتيه الأولى والثانية أرادت واشنطن الاحتفاظ بموقعها على سدة النظام الدولي كما كان الوضع بعد انتهاء الحرب الباردة عبر عدة وسائل امتزجت فيها القوة بعدم احترام القانون الدولي وتهميش دور الأمم المتحدة في ظل حالة من التهور والاندفاع الأمريكي ما أدى إلى تآكل النظام الدولي الذي استمر عليه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبدأت مرحلة جديدة لم تستقر حتى الآن ، إلا أن معالمها وإن كانت قد تبدو واضحة غير أن أسس النظام الدولي الجديد غير واضحة المعالم والنهايات.
في خضم هذه المتغيرات العالمية، شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولات مماثلة أكثر وضوحًا أثرت على تركيبتها منذ انتهاء الحرب الباردة وبدء الحرب العراقية الإيرانية(1980/ 1988م)، ثم الغزو العراقي للكويت عام 1990م، وحرب تحرير الكويت في العام التالي ثم سقوط نظام صدام حسين والاحتلال الأمريكي للعراق، والهيمنة الإيرانية على الشأن العراقي الذي أعقبه تمدد النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان واليمن ،وواكب ذلك الانفجار العربي الكبير أو ما سمي بثورات الربيع العربي التي جعلت المنطقة العربية في حالة سيولة وضعف وخروج العديد من الدول العربية الفاعلة من النظام الجماعي العربي، وسمحت بالتدخل الخارجي في شؤون الدول العربية، إضافة إلى تأثير جماعات الإسلام السياسي والميليشيات المسلحة والإرهاب العابر للحدود، وكانت المحصلة أن المنطقة العربية بعد هذه الثورات لم تكن كما كانت قبلها.
ومؤخرًا ومنذ شهر فبراير من العام الجاري 2026م، جاءت الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران وانعكاسها على دول مجلس التعاون الخليجي ومحاولات الزج بهذه الدول التي احتفظت بقوتها وكانت بمنأى عن تأثيرات ما يسمى بثورات الربيع العربي وانخرطت في خطط تنمية وتحديث جسورة وقطعت شوطًا بعيدًا في النهضة الحديثة متعددة الاتجاهات والمحاور.
والمؤكد الآن أن النظام الإقليمي يتشكل على أسس جديدة أكثر عملياتية وواقعية بعيدًا عن الشعارات الأيدولوجية والعاطفية التي سادت فترات طويلة في المنطقة ولم تحقق أي مكاسب عربية، بل أدت إلى نتائج عكسية ما أضعف العمل العربي المشترك الذي تمثله جامعة الدول العربية التي لم تستطع تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها منذ أمد بعيد، ما يتطلب البحث عن صيغة وآلية جديدة للعمل العربي المشترك أو النظام الإقليمي في الشرق الأوسط سواء بدعم العمل العربي الجماعي رغم الظروف غير المواتية، أو توسيع دائرة النظام الإقليمي، وفي كل الخيارات المتاحة أو الممكنة للنظام الإقليمي المأمول من الضروري أن تقوده الدول العربية الفاعلة والتي لديها من وسائل القوة ما يجعلها دولًا قائدة للنظام الإقليمي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية ومصر ودول المغرب العربي التي لم تتأثر بما يسمى ثورات الربيع العربي وما يتردد في الأوساط السياسية عن انضمام تركيا وباكستان إلى تجمع هذه الدول مع فتح الباب للدول المحبة للسلام والتي ليس لها أجندات خاصة ، ولعل إيران مرشحة للانضمام في حال الاستفادة من تجربة الصراع مختلفة الأبعاد، وتحكيم منطق الدولة بدلَا من منطق الثورة، وفي حال رغبت في انتهاج سياسة جديدة قائمة على حُسن الجوار والتعامل بالمثل سوف يكون النظام الإقليمي نابعًا من دول المنطقة وفي يدها، وتكون هي المتحكمة فيه بدون تدخلات خارجية أو أطماع إقليمية أو دولية، وهذا الخيار من أفضل الخيارات المطروحة أمام دول الإقليم






