يمر العالم حاليًا بلحظات غير معهودة كثيرًا في التاريخ الحديث والمعاصر ، على الأقل منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م، حيث تغيرت الكثير من مبادئ وأسس العلاقات الدولية فتوارت الجولات المكوكية التي كان يقوم بها مبعوثو الأمم المتحدة إلى مناطق الصراع والتوتر في العالم، واختفت أيضًا الوساطات العلنية التي كانت تقوم بها بعض الدول، مع قلة عدد الاجتماعات التي كانت تستضيفها الدول المعروفة بالحياد بين الشرق والغرب كسويسرا على سبيل المثال، تلك الاجتماعات التي كانت تنعقد كثيرًا في وقت الأزمات الدولية والإقليمية، وحل محلها تصريحات قوية وعنيفة وتحركات عسكرية وحروب وقصف ودمار ما يعني أن المجتمع الدولي دخل في مرحلة جديدة من مراحل إدارة العلاقات الدولية ،أهم عناوينها العنف وتسلط الدول الكبرى، وإدارة الأزمات الدولية بمنطق القوة والغلبة وليس بالدبلوماسية الهادئة التي رافقت أعتى الأزمات طيلة النصف الثاني من القرن العشرين، حيث كانت نشرات الأخبار وعناوين الصحف لا تخلو من أخبار نشاط الأمم المتحدة ومبعوثيها إلى مناطق الصراعات في العالم، وقد بدأت المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار سور برلين وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم فيما عُرف بالعالم أحادي القطبية، ولعل حرب الخليج الثانية وحرب أفغانستان وما تبعهما كان علامة فارقة في ظهور هذه الهيمنة وفرض استخدام القوة في حل النزاعات الدولية بموافقة مجلس الأمن الدولي أو بدون موافقته، ثم تكرست هذه الظاهرة منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي بالحرب الروسية على أوكرانيا التي نشبت دون دور أممي لإيقافها حتى الآن، وكذلك الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان وإيران وما يبدو في الأفق حاليًا من مؤشرات على اقتراب حرب جديدة على إيران تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.
ولم يتوقف الأمر عند إيران وأفغانستان وأوكرانيا، بل أسس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قاعدة جديد في العلاقات الدولية تقوم على اختطاف رؤساء الدول من بلادهم كما حدث مع رئيس فنزويلا والتهديد بخطف رئيس كوبا وما يلوح به ضد النظام الحاكم في إيران، كما يريد الرئيس الأمريكي في ولايته الثانية إعادة الاستعمار القديم بالقوة حيث يريد ضم جزيرة جرين لاند، وأيضًا قطاع غزة وقناة بنما، أي يريد فتح مجال استخدام القوة في الهيمنة وإدارة الصراعات الدولية بدون أي وازع قانوني، أو دبلوماسي، أو أخلاقي، وهذه المؤشرات تعيد العالم إلى ما كان يحدث قبل الحربين العالميتين وغياب العدالة الدولية وانفراط عقد المجتمع الدولي الحاكم، ما يعني أن المجتمع الدولي يمر بمرحلة مخاض جديدة في الوقت الحاضر وإن كانت ملامحها لم تتضح بعد بصورة قاطعة حيث مازالت الولايات المتحدة الأمريكية متمسكة بفرض هيمنتها على العالم، بل بتفردها بعيدًا حتى عن دول المعسكر الغربي و بعيدًا عن شركاء حلف الناتو، بينما يصعد نجم الصين مع محاولات متعثرة من روسيا، مقابل صعود تكتل بريكس حيث يشير كل ذلك إلى احتمالية تقاسم نفوذ جديدة تقوم على المقايضة وتفاهم الكبار على غرار اتفاقية يالطا الموقعة بين الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وأمريكا بمدينة يالطا السوفياتية في 11 فبراير عام 1945م، حيث ناقش المؤتمرون آنذاك تقسيم ألمانيا وكذلك تقسيم برلين، وبالقياس على مؤتمر يالطا كان قد أشيع مؤخرًا أن هناك ثمة اتفاقيات قد تحدث بين أمريكا وروسيا والصين مؤداها إطلاق يد واشنطن في مناطق مطامعها المعلنة مثل جرين لاند ودول أمريكا اللاتينية وغيرها من مناطق الأطماع الأمريكية، مقابل إطلاق يد روسيا في أوكرانيا، وغض الطرف عن ضم الصين لتايوان وإن كان لا توجد معلومات مؤكدة حول ذلك، بل تقع تحت بند الشائعات على ضوء حالة السيولة والرؤية الضبابية لما يدور على الساحة الدولية بما يسمح بالكثير من الشائعات والمخاوف.
وكل ذلك وغيره يشي بأن المجتمع الدولي دخل في مرحلة جديدة غير التي كانت قائمة منذ أن تأسست الأمم المتحدة ما يتطلب من الدول العربية خاصة ودول العالم الثالث عامة الاستعداد لمستقبل مازال يحمل بين طياته الكثير من المفاجآت التي توحي بالكثير من المتغيرات المنبثقة عن فرض الهيمنة بالقوة دون أي اعتبار للقانون الدولي، أو أي دور للمنظمة الدولية والهيئات المنبثقة عنها خاصة بعد أن جمدت أمريكا تمويل الكثير من الهيئات التابعة للأمم المتحدة وانسحبت من منظمات أخرى، وهنا يأتي دور الدول والمنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وغيرها ، استعدادًا لما هو آت حتى لا تحدث مفاجآت تفرض واقعًا لم يكن في الحسبان.






