array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

صراع الأقطاب وغياب قيادة توافقية سمة المستقبل وتحتفظ أمريكا بدورها الأكثر نفوذًا وتأثيرًا

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

إما الإصلاح وإما الانهيار؛ قد تكون هذه هي الصيغة الأبسط لاستشراف مستقبل الأمم المتحدة، بل وربما مستقبل النظام الدولي القائم على التعددية بشكل عام.

مع حلول الذكرى الـ 80 على إنشاء الأمم المتحدة، تقف المنظمة الدولية أمام مفترق طرق مفصلي. فهذا الكيان الذي انبثق من رماد الحرب العالمية الثانية بعضوية لم تتجاوز آنذاك 51 دولة، بهدف وضع حد للنزاعات المسلحة وجرائم الإبادة الجماعية، بات يضم اليوم في جنباته 193 دولة عضواً. لقد واكبت المنظمة منذ نشأتها أفول إمبراطوريات غربية وبزوغ قوى دولية صاعدة، في حين أضحى "الجنوب العالمي"، الذي كابد حقب التهميش والاستعمار والنظرة الدونية، يشكل حالياً الكتلة التصويتية الأكبر داخل المنظمة. ورغم هذا التحول، لا تزال هياكل السلطة الأممية قاصرة عن مواكبة الوقائع العالمية المتغيرة، حتى غدا التباين بين الشرعية الديمغرافية والنفوذ السياسي هو التحدي الجوهري الذي يواجه المنظومة الدولية اليوم، لاسيما من منظور دول الجنوب العالمي.  

التساؤل الذي يراودنا حاليًا إذا ما ستتمكن الأمم المتحدة من الاحتفاظ بأهميتها مع مواكبة الإصلاح والحداثة من أجل الوفاء بالتزاماتها وتطلعاتها المنصوص عليها ضمن ميثاقها التأسيسي، إلى جانب شبكتها الواسعة من المعاهدات، والاتفاقيات، والقرارات، والإعلانات، والمؤسسات. إن إرساء نظام حوكمة عالمي يتسم بالعدالة والإنصاف قد يكون السبيل الوحيد لمنع الفوضى والانهيار في زمن يعج بالكوارث المناخية، والعنف المتصاعد، وسياسات الاستقطاب.

المنظومة الأممية تقع في براثن الجمود منذ عام 1945

إبّان صياغة الميثاق الأممي، كان العالم يلملم شتاته من أتون الحرب العالمية الثانية، حين اضطلعت القوى المنتصرة والمهيمنة على المشهد الجيوسياسي آنذاك بمسؤولية تشكيل ملامحه. ومن هذا المنطلق، صُمم مجلس الأمن الدولي بعضوية دائمة لخمس دول (الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي -روسيا لاحقاً-، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين) ليجسد موازين القوى في تلك الحقبة. وقد سُوِّغ منح هذه الدول حق النقض (الفيتو) بوصفه أداة واقعية لضمان انخراط القوى العظمى واستثمارها في منظومة الأمن الجماعي، كبديل للنزوع نحو التحركات الأحادية.

بيد أنه بعد مرور ثمانية عقود، أضحى هذا المنطق يفتقر إلى مسوغاته؛ إذ لا تزال أقاليم شاسعة كإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، وأجزاء كبرى من آسيا -والتي تمثل اليوم النواة الديمغرافية والسياسية للمنظمة- مستبعدة من دوائر اتخاذ القرار الدائم. ففي حين تفتقر الدول الإفريقية والعربية ودول أمريكا اللاتينية لأي مقعد دائم، تحتفظ دولتان أوروبيتان بمكانتيهما، متجاوزتين في ذلك واقع الثقل السياسي والاقتصادي الذي يمثله الاتحاد الأوروبي ككيان موحد.

ومن منظور الجنوب العالمي، لا يعد هذا الاختلال في توازنات القوى مجرد خلل رمزي، بل هو واقع تترتب عليه تبعات ملموسة تطال بعثات حفظ السلام، ومنظومات العقوبات، والتدخلات الإنسانية، وآليات الاستجابة للأزمات. فغالباً ما تُدار النزاعات في دول الجنوب -أو بالأحرى يُغض الطرف عنها- عبر عدسة مجلس الأمن التي تُصاغ رؤيتها وفقاً للمصالح الاستراتيجية للأعضاء الخمسة دائمي العضوية، بدلاً من الاستناد إلى الاحتياجات الملحة والمتطلبات الجوهرية للمجتمعات المنكوبة.

 هل تعاني الأمم المتحدة من الشيخوخة المؤسسية أم ضعف مُفتعل؟

غالباً ما يذهب المنتقدون إلى أن المنظومة الأممية قد أصابها الوهن جراء تقادم العهد، غير أن التشخيص الأكثر دقة يشير إلى أنها قد كُبِّلت بقيود هيكلية. فعلى مدار عقود، وسعت المنظمة نطاق أنشطتها بشكل جذري، حيث شهدت مهام حفظ السلام، وتنسيق العمل الإنساني، والبرامج الإنمائية، والعمل المناخي، وتطبيقات القانون الدولي نمواً مطرداً تحت مظلتها المتشعبة. وباتت وكالات متخصصة مثل منظمة الصحة العالمية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تمثل ركائز جوهرية لا غنى عنها، وبالأخص للبلدان النامية.  

بالتالي، فإن الضعف لا يكمن في السعة أو القدرة بقدر ما يتعلق بالسلطة والنفوذ. كما أن الشلل الذي أصاب مجلس الأمن الدولي في التعامل مع الأزمات الكبرى -فلسطين، وسوريا، واليمن، وأوكرانيا، وغيرها من الأزمات العالمية- كشف عوار نظام الفيتو، حيث تكون السيادة لامتيَاز يُساء استخدامه على حساب الإرادة الجماعية. وبالنسبة لدول الجنوب العالمي، فإن هذا العجز يُعزز القناعة المتنامية بأن القانون الدولي يطبق بشكل انتقائي وأن السيادة تُحترَم فقط عندما تتوافق مع مصالح القوى العظمى. ولعل الغزو الأمريكي لفنزويلا يعد أحدث مثال على السلوك الانتقائي والنزعة الاستعمارية الجديدة لدى أعضاء مجلس الأمن الدائمين.

ربما لم يفشل الميثاق الأممي في حد ذاته، ولكنه ظل بعيدًاعن الحداثة والتطوير بحيث يعكس وقائع النظام الصاعد متعدد الأقطاب. في الوقت ذاته، تعد خطوة تعديل الميثاق مهمة بالغة الصعوبة وتقتضي توافق القوى ذاتها المستفيدة من استمرار الوضع القائم. نتيجة لذلك، تخلف الإصلاح المؤسسي للأمم المتحدة بأشواط كبيرة عن التغيرات الجيوسياسية المتلاحقة.

الدول الغربية والتعددية الانتقائية

يستحيل لأي نقاش يدور حول وضع منظمة الأمم المتحدة أن يتجاهل دور الولايات المتحدة. باعتبارها المساهم المالي الأكبر في المنظمة، لطالما مارست واشنطن نفوذًا لم تُضاهيه قوة أخرى، مع ذلك ظلت علاقتها مع المنظمة متقلبة ومتناقضة.

في أوقات عديدة، انتفضت الولايات المتحدة للدفاع عن النظام متعدد الأطراف، ومؤسساته الدولية، والعمل الجماعي. بينما في مواضع أخرى، تعاملت مع الأمم المتحدة باعتبارها مجرد أداة- أو بالأحرى عقبة-يمكن تخطيها أو تطويعها في سبيل تحقيق مصالحها القومية وإرساء "الأمن". وفي ضوء هذا، فإن التهديدات والانسحابات الأمريكية المتوالية من العديد من الهيئات الأممية مثل منظمة التربية، والعلوم، والثقافة " اليونسكو"، ومنظمة الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان بعثت رسالة واضحة: أن ممارسة التعددية داخل المنظومة الدولية مشروطة وليست قائمة على مبادئ. 

ومن منظور الجنوب العالمي، فإن إساءة الولايات المتحدة استخدام نفوذها داخل مجلس الأمن خلف آثارًا سلبية. إن استخدامها المتكرر لحق الفيتو أو حتى التهديد بذلك من أجل حماية حلفائها، وبالأخص إسرائيل، قد تسبب في تآكل مصداقية المجلس وعزز الانطباع بشأن المعايير الغربية المزدوجة. كما أن تحطم العديد من القرارات الأممية التي تحظى بدعم دولي واسع على صخرة الفيتو يعد كفيلًا بـ تقويض مكانة المنظمة ككيان دولي يعبر عن شعوب العالم.

في الوقت ذاته، لا يعني الانسحاب الأمريكي بالضرورة تمكين أو تقوية شوكة الجنوب العالمي؛ بل في الأغلب سيؤدي إلى إضعاف بنية المنظمة ككل، ويخلق فراغات يتم ملؤها بالتحركات الأحادية أو التحالفات المؤقتة. ويتسنى هنا الإشارة إلى مثالين:

  • القرارات الأمريكية الأخيرة بشأن خفض التمويل والانسحاب من قائمة مطولة من الهيئات والمنظمات الأممية تعد أحدث مثال للتجَاهل الأمريكي لدور المنظمة.
  • أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة لجنة تفاوض حكومية دولية لكافة الدول الأعضاء البالغ عددها 193 دولة، وذلك لصياغة اتفاقية إطارية للأمم المتحدة بشأن التعاون الضريبي الدولي والبروتوكولات ذات الصلة. ونظرًا لما يتمتع به الأعضاء الدائمون مثل المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وروسيا من نفوذ اقتصادي ودبلوماسي كبير، فإن مواقفهم بشأن قضايا مثل الحقوق الضريبية، والتسعير التحويلي، وآليات تسوية المنازعات متعددة الأطراف، وكيفية التوفيق بين الأنظمة القائمة (مثل أطر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية)، تُشكل ديناميات التفاوض حتى وإن لم يكونوا على رَأس اللجنة. كما أن إسهاماتهم التقنية ومواقفهم السياسية تُلقي بظلالها على مواقف الوفود الأخرى. وقد أبدى بعض أعضاء مجلس الأمن، ولا سيما الاقتصادات المتقدمة، تخوفًا أو انتقادًا في مراحل مختلفة، معربين عن رفضهم لما اعتبروه تكرارًا أو تقويضًا لأطر التعاون الضريبي القائمة التي تقودها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بما يحد من فرص التوصل إلى إطار عالمي عادل يضمن استفادة كافة الدول الأعضاء وليس فقط الدول الأكثر نفوذًا.

 نظرة الجنوب العالمي إلى المستقبل

بالرغم من الإحباطات المتتالية، لم يتخل الجنوب العالمي عن إيمانه بدور منظمة الأمم المتحدة. على النقيض، تعتقد غالبية دول العالم النامي أن الأهمية التي تعتليها المنظومة الأممية الآن تفوق أي وقت مضى. وفي ظل عالم تسوده التناحرات الجيوسياسية، والأزمات المناخية، وأعباء الديون، وانتشار الأوبئة، واتساع أوجه عدم المساواة، لا يوجد كيان بديل عن الأمم المتحدة بإمكانه أن يوفر نفس الدرجة من الشمولية أو الشرعية.

مع ذلك، ثمة توافق متزايد حول الإصلاح باعتباره ضرورة ملحة وليس خيارًا. ومن بين التطلعات والأهداف الرئيسية التي تصبو إليها دول الجنوب العالمي:

  1. إصلاح مجلس الأمن: توسيع العضوية الدائمة بمجلس الأمن لتضم ممثلين عن قارات إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا. وتتفاوت المقترحات ما بين - إنشاء مقاعد جديدة تحظى بحق الفيتو، أو استحداث عضويات قابلة للتجديد طويلة الأجل دون امتلاك حق الفيتو- وفي كافة الأحوال، تظل المطالبة بتمثيل أكبر وأقرب للواقع مطلبًا عالميًا.
  2. تقييد استخدام الفيتو: تدعم العديد من دول الجنوب العالمي تقييد استخدام حق الفيتو في مواضع تشمل: جرائم الإبادة الجماعية، والمجازر، والجرائم ضد الإنسانية. وبينما من المستبعد أن يلقى هذا المقترح قبوُلًا سلسًا، لكنه يمثل تحديًا أخلاقيًا للامتيازات التي تستأثر بها القوى العظمى.
  3. إرساء الديمقراطية في عملية صنع القرار: تدعيم دور الجمعية العامة، التي تعكس قراراتها إرادة الأغلبية، ولكنها تظل غير مُلزمة إلى حد بعيد.
  4. التطوير والعدالة الاقتصادية: إصلاح الحوكمة المالية العالمية بالتنسيق مع منظومة الأمم المتحدة، بما في ذلك تبني آليات أكثر عدالة للديوُن، والتمويل الإنمائي، والتمثيل داخل المؤسسات المالية الدولية.
  5. احترام السيادة وعدم التدخل: العمل على ضمان ألا يُساء استخدام الأعراف الإنسانية كوسيلة أو ذريعة لتبرير التدخل الانتقائي أو تغيير الأنظمة.
  6. تعزيز استقلالية الأمم المتحدة: تقليص الاعتمادية المالية المقتصرة على عدد قليل من المانحين من خلال تنويع مصادر التمويل وزيادة المساهمات الخاضعة للتقييم.
  7. تحديث شرح وتفسير الميثاق التأسيسي: بمعزل عن ضرورة إجراء تعديلات رسمية، يمكن التعويل على التفسير التقدمي لنصوص الميثاق، بما يضمن مواءمتها مع المبادئ والأعراف الدولية المعاصرة، خاصة في الأبعاد المتصلة بمفهوم الأمن الإنساني الشامل، والقضايا الوجودية المشتركة كالتغير المناخي.
  8. بشكل عام، تعتبر العقبة الأكبر التي تعترض مسار الإصلاح ليست فكرية، بل سياسية. فقد لا يكون هناك حافز لدى الأعضاء الدائمين للتنازل عن جزء من نفوذهم. كما أن المنافسة الجيوسياسية-لاسيما بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا- تعقد التوصل لتوافق. حتى على مستوى دول الجنوب العالمي، فلا يزال هناك انقسامًا حول من الأجدر من بينها على تمثيل من تحديدًا، ووفقًا لأية شروط.

مع ذلك يذكرنا التاريخ بأن المؤسسات التي فشلت في مواكبة التغيير خاطرت بالتجرد من مكانتها على الساحة الدولية. وإذا ما فشل الهيكل المؤسسي الأممي الراهن في التعبير عن موازين القوى المتغيرة وتوقف به الزمن عند عام 1945م، سوف تتخطاه التكتلات الإقليمية الصاعدة، والتحالفات غير الرسمية، والتحركات الأحادية. والضرر حينها سيكون أشد وطأة على الجنوب العالمي، حيث لاتزال الدول النامية والأصغر حجمًا تعتمد على المنظومة الدولية متعددة الأطراف القائمة على قواعد باعتباره الدرع الواقي والممثل عنها.

رغم كافة هذه التحديات، من اللافت أن دول الجنوب العالمي عززت روابطها وسياسات التفاوض القائمة على التآزر والتضامن. والتي تجسدت عبر تعزيز أواصر التعاون فيما بينها، والعمل المشترك داخل تكتلات مثل "مجموعة 77 والصين" أو مجموعة "الدول الجزرية الصغيرة النامية". حيث تتعاون هذه الدول سويًا لتجعل صوتها مسموعًا ولكي تصوغ مواقف مشتركة تتصدى لمحاولات الأعضاء الدائمين وغيرهم من القوى المهيمنة لإساءة استخدام نفوذهم.

وبينما يخطو العالم صوب مرحلة حيث تكون الأفضلية للقدرات العسكرية والقوة على حساب الحوار، وبناء التوافق، والعمل المشترك. يقتضي الأمر من الدول والجهات الفاعلة بالمجتمع أن تظل منتبهة ومُتيقظة لكي تمنع المساعي الرامية لتقويض العمل متعدد الأطراف داخل المنظومة الدولية.

الإصلاح أم الفشل المؤسسي

بعد مرور 80 عامًا على إنشائها لا يزال دور الأمم المتحدة يمثل إشكالية تنطوي على العديد من المفارقات: بين صعوبة الاستغناء عنها رغم عدم كفايتها، وبين كونها منظمة عالمية لكنها عاجزة عن تحقيق التكافؤ. بالنسبة للجنوب العالمي، فإن إصلاح منظمة الأمم المتحدة ليست قضية خاسرة ولا مشروع مكتمل الأركان، بل مساحة متنازع عليها - ما بين الشرعية التي تحظى بها الغالبية العظمى من الأعضاء والنفوذ الذي تستحوذ عليه النخبة القليلة المهيمنة.

من ثم، يظل مستقبل الأمم المتحدة مرهونًا بالقدرة على تضييق هذه الفجوة. ومما لا ريب فيه أن الإصلاح سيكون متلكئًا، وغير مكتمل، وموضع خلاف دائمًا. ولكن بدون ضغط مستمر من الجنوب العالمي- من خلال قنوات الدبلوماسية، وبناء التحالفات، والحجة الأخلاقية- فإن المنظمة تخاطر بخسارة مكانتها الدولية المرموقة.

الخيار واضح: إما إصلاح يعكس وقائع عالم اليوم، أو مؤسسة يصيبها المشيب تسقط فريسة للوقائع والتحديات ذاتها التي وُجدت في الأساس لمواجهتها. وفيما يخص الجنوب العالمي، فإن الصراع من أجل إصلاح الأمم المتحدة هو نضال من أجل امتلاك صوت مسموع، وتحقيق التكافؤ، وترسيخ أقدامه داخل المنظومة الدولية نفسها.

العقد المقبل: كيف يمكن لهذا الصراع أن ينتهي

بالنظر إلى السنوات العشر المقبلة، فمن غير المرجح أن ينتهي الصراع حول مستقبل الأمم المتحدة إما بالخضوع لإصلاح جذري أو الانهيار الكامل. عوضًا عن ذلك، فإن النتيجة الأقرب للواقع تتمثل في خوض مرحلة مُطولة من الجمود المدار، يتخللها بعض التعديلات التدريجية، والتنازلات الرمزية، والضغوط المتزايدة من قبل الجنوب العالمي بما يُعيد تشكيل المؤسسة تدريجيًا دون قلب هيكل السلطة رأسًا على عقب.

سيكون الصراع بين الأقطاب العالمية المتعددة وسط غياب قيادة توافقية سمة المرحلة المقبلة. وعلى الأرجح ستحتفظ الولايات المتحدة بدورها الأكثر نفوذًا وتأثيرًا، ولكنها لن تنعم بعد الآن بالهيمنة المطلقة. الصين، على الجانب الآخر، رغم تفوقها إلا أنها تتلمس خطواتها بحذر قبل أن تأخذ على عاتقها مسؤولية نظام الحوكمة الدولي- ورغم كافة التحديات، أطلقت بكين مؤخرًا مجموعة" أصدقاء الحكومة العالمية"، التي حظيت باهتمام ودعم كبيرين.  من جانبها، تتصرف روسيا وكأنها قوة مُفسِدة للنظام بدلًا من أداة لبنائه. في حين لا تزال القوى الأوروبية منقسمة ومنغلقة على نفسها. وفي مثل هذا المناخ، ليس هناك من بين الأعضاء الخمس الدائمين من يتوفر لديه حس المبادرة أو الشرعية التي تخول له قيادة عملية إصلاح شاملة.

وفي ضوء هذا السياق، يمكن القول بأن تعديل الميثاق السابق-لاسيما الشق الخاص بحق الفيتو - مستبعد على نحو كبير خلال العقد المقبل. حيث سيواصل الأعضاء الدائمين التصدي لأية تغييرات من شأنها أن تضعف أو تحد من امتيازاتهم. مع ذلك، لا يعني ذلك فشلًا محتومًا لنضال الجنوب العالمي، بل لعله يتخذ شكلًا مختلفًا.

وعوضًا عن اقتناص انتصار مؤسسي جوهري، على الأرجح، سيَسعى الجنوب العالمي إلى اعتماد استراتيجية تجمع ما بين ممارسة ضغط معياري والتكيف الوظيفي. وسنشهد جهودًا متواصلة لتجاوز العجز الذي أصاب مجلس الأمن من خلال الاستعانة بالجمعية العامة، والمنظمات الإقليمية، والتحالفات المخصصة. كما أن الاتجاه المستمر لعقد الجلسات الخاصة الطارئة، وآليات "التوحد من أجل السلام"، وتكتلات التصويت المشتركة لدول الجنوب العالمي، سيؤدي تدريجيًا إلى تغيير التوقعات بشأن موضع الشرعية داخل المنظمة- حتى وإن استمر هيكل السلطة الرسمي دون تغيير.

من المتوقع أيضًا أن يزداد عمل الأمم المتحدة كنظام مُجزأ لا بوصفه مركز قوة متماسك. كذلك من المتوقع أن تتفَاوت الخطوات التي تحرزها عمليات حفظ السلام، والعمل الإنساني، وحوكمة المناخ وتمويل التنمية. وبينما ستشهد المجالات التقنية والاجتماعية تقدمًا طفيفًا، يظل الجمود سيد الموقف على صعيد الأمن ذو الطابع السياسي الرفيع. وفي ضوء هذا، تحتفظ المنظومة الأممية بمكانتها كأداة مفيدة لدول الجنوب العالمي، ولكنها لن تكون حاسمة.

ومن التغيرات المحتملة على مدار العقد المقبل التوسع الجزئي في عضوية مجلس الأمن دون إصلاح نظام الفيتو. وقد يكون ذلك من خلال استحداث عضويات طويلة الأجل أو قابلة للتجديد تُمنح للجهات الفاعلة الرئيسية من الجنوب العالمي، لا سيما من إفريقيا. وتُصمم بهدف استيعاب الضغوط الممارسة دون إعادة توزيع هيكل السلطة بشكل جذري. إذ سيغدو هذا الإصلاح أكثر قبولاً من الناحية السياسية لدى الدول دائمي العضوية، كونه يتيح لها هامشاً للمناورة والادعاء بالاستجابة للمطالب الدولية المتصاعدة لإصلاح المنظومة، دون المساس المباشر بامتيازاتها الهيكلية. ورغم أن ذلك قد لا يكون شافيًا لدول الجنوب العالمي، لكنه أفضل من الجمود المستعصي.

توجه مهم آخر محتمل يكمن في العزلة الأخلاقية المتزايدة لمن يسيئون استخدام حق الفيتو. حتى وإن لم يتم إصلاح هذا البند، إلا أن إساءة استخدامه بشكل متكرر لعرقلة أي قرار يحد من معاناة المدنيين يتسبب في تآكل تدريجي لمصداقية هذه الدول. وبمرور الوقت، فإن هذه المكانة المتآكلة ربما لا تُغير السلوك التصويتي بشكل فوري، ولكنها ستُضعف سلطة مجلس الأمن بوصفه صاحب كلمة الفصل في مسألة الشرعية.

أخيرًا، لن ينتهي الصراع بشأن إصلاح المنظومة الأممية على مدار العقد المقبل بانتصار حاسم لأي من طرفين من النزاع. ولكن قد يؤول إلى إعادة توازن تدريجي للشرعية بعيدًا عن سطوة القوى العظمى لصالح الأغلبية العددية للدول الأعضاء. وحتى مع تأخر تمتعها بالسلطة القانونية، ستكتسب دول الجنوب العالمي تأثيرًا أكبر في تحديد الأولويات، ونفوذًا أخلاقيًا، وتحالفات أكثر قوة، ولكن دون تحقيق تكافؤ مؤسسي كامل.

الخطر الحقيقي قد لا يتعلق بانهيار شامل للمنظومة الأممية بقدر تجردها من أهميتها ونفوذها الاستراتيجي حول أهم قضايا الحرب والسلم، ومعاناتها من قصور كبير في التنمية والعمل الإنساني. وسواء كانت هذه النتيجة مجرد مرحلة انتقالية نحو مسيرة إصلاح أكثر عمقًا، أم إرساء وضع مستدام، سيعتمد ذلك على قدرة دول الجنوب العالمي على الحفاظ على وحدتها، وصياغة رؤية مشتركة، وتحويل ثقلها الديمغرافي إلى نفوذ سياسي.

وبهذا المعنى، فإن مستقبل الأمم المتحدة لن يقرره ميثاقها فحسب، بل ستحدده عزيمة أولئك المؤمنين بضرورة أن تصبح هذه المؤسسة مرآةً تعكس وجه العالم كما هو اليوم، لا كما كان عليه في عام 1945م.

مقالات لنفس الكاتب