array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

عهد الأمم المتحدة أكثر الأنظمة الدولية استقرارًا لكنه ليس أأمنها مآلاً ويعزى الاستقرار لعاملين

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

 في السادس من يونية ١٩٤٥م، وبعد حسم الجبهة الغربية للحرب العالمية الثانية بإعلان هزيمة واستسلام ألمانيا النازية، بشهر في الخامس والعشرين من مايو ١٩٤٥م، أعلن قيام الأمم المتحدة كمنظمة أممية لإدارة شؤون النظام الدولي الجديد، الذي من أهم أهدافه الحؤول دون اندلاع حربٍ كونية ثالثة أخرى، بسيادة سلام مستدام على كوكب الأرض. بالقطع لم يكن يتوقع أن يكون نظام الأمم المتحدة مثالياً لاستتباب الأمن والسلام العالمي، رغم إعلان كل دولة عضو حبها للسلام، كمصوغ أساسي لانضمامها للأمم المتحدة. لكن كان هناك مؤشرين جوهريين يجعلان من نظام الأمم المتحدة أكثر استقراراً من نظام عصبة الأمم السابق له، الذي لم يصمد سوى عشرين سنةً (١٩١٩-١٩٣٩م)، لتندلع الحرب العالمية الثانية. المؤشر الأول: وجود قوة عظمى (الولايات المتحدة الأمريكية) متكفلة باستقرار نظام الأمم المتحدة. المؤشر الثاني: تطور نظام جديد لتوازنِ القوى في نظام الأمم المتحدة يضمن، إلى حدٍ ما، توازن واستقرار نظام الأمم المتحدة ألا وهو: نظام توازن الرعب النووي.  

طبيعة مسرح السياسة الدولية

من أهم مثالب حركة السياسة الدولية عدم وجود حكومة عالمية، تمتلك القوة والإرادة لفرض سيطرتها على أي نظام دولي، نشأ منذ قيام الأنظمة الدولية الحديثة، نهاية القرن الخامس عشر، حيث اتسع نطاق مسرح السياسة الدولية، بانضمام قارات العالم الجديد (الثلاث)بين ضفتي المحيطين الهادي والأطلسي.

لكن عدم وجود حكومة عالمية مركزية قوية تمتلك إرادة سياسية حاسمة وحازمة لفرض هيمنتها على سلوك أعضاء أي نظام دولي، لا يعني أن النظام الدولي، أي نظام دولي، تسوده الفوضى وقانون الغاب. هناك بالطبع بيئة خصبة لعدم استقرار أي نظام دولي، لكن هذا لا يعني أن أي نظام دولي تسوده الفوضى، لأن هذا ضد طبيعة التوازن والاستقرار، الكامنة في طبيعة الحياة نفسها على الأرض. حتى في عالم الحيوان، في الغابة، هناك آليات فعالة للحفاظ على حدٍ أدنى من الانضباط في سلوك الضواري والطرائد، للحفاظ على محددات التوازن في الطبيعة. في النهاية أصل كل الأشياء، على هذا الكوكب، التوازن، وليس الفوضى غير المنضبطة. فحب الحياة نفسها والميل للسلام، هي العامل الاستراتيجي الأهم للحفاظ على السلام لإعمار الأرض، وليس الفوضى وخروج الصراعات عن عقالها، للقضاء على الحياة على الأرض. غريزة البقاء أساسها الحفاظ على الحياة وليس انفلات الفوضى، عن عقالها لتأكل الأخضر واليابس. حتى في الغابة نفسها، يحدث التوازن فيها، بتوازن الرغبة في البقاء، بين الضواري والطرائد، الذي يحكم حركة الصراع الأبدي بينها، وليس كما يُعتقد سيادة قوة الضواري على ضعف الفرائس.

في النهاية: على مسرح السياسة الدولية، بالرغم من عدم وجود سلطة مركزية قاهرة (حكومة عالمية) تفرض إرادتها على سلوك أعضائها من الدول. عدم وجود أي نظام دولي لحكومة أممية مركزية وقاهرة، لا يعني هذا النظام الدولي، أو ذاك، فوضوياً يأكل الكبير منه الصغير، ليسود الكبير ويهيمن، على إرادة الضعيف وخياراته.

كل نظام دولي يمتلك أدوات توازنه، التي تحفظ له استقراره، ولو لحين. أي نظام دولي جديد يمتلك أدوات توازن أكثر كفاءة وفاعلية لإحداث حالة استقرار أكبر من سابقه، وهكذا. حركة التاريخ، نفسها رغم أنها وليدة حركة الصراع، إلا أن غايتها ليست في استدامة حالة الصراع، بل في تقليص "رثمها" من فترة تاريخية لأخري، حتى سيادة السلام. السلام في النهاية هو وليد وغاية حركة الصراع.

تميز نظام الأمم المتحدة، عن سابقيه من الأنظمة الدولية

من أهم الفوارق الاستراتيجية بين نظامي الأمم المتحدة وسابقه نظام عصبة الأمم، أن الأول: تكفل، من البداية، راعٍ أممي، يمتلك القدرة والإرادة لخدمة مصلحته في الإبقاء عليه، بينما الثاني؛ لم يتطور مثل هذا الراعي الأممي، لتتفق مصلحته مع مصلحة النظام الذي عمل على إيجاده، خدمة لقضيتي السلام والأمن الدوليين. من أهم معالم فشل نظام عصبة الأمم في تحقيق الاستقرار تحت رايته، خذلان القوة العظمى في ذلك الوقت له، بعدم تبني الولايات المتحدة، لقيمه العليا، التي صاغتها واشنطن نفسها، ليختل توازن هذا النظام، قبل أن يبدأ، بل أن هذه القوة العظمى، بدايةً، لتصبح عضوةً فيه. الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون، الذي صاغ وصاياه الأربع عشرة، التي كانت بمثابة الميثاق لنظام عصبة الأمم، عندما عاد لواشنطن من أوروبا، وجد عدم استجابة أو ترحيب من الشعب الأمريكي، لمشروعه في إحداث الاستقرار والسلام في أوروبا، فنفض يده وبلده من أي التزام بدعم نظام عصبة الأمم، مما أدى لانهياره، في غضون عقدين من الزمان، باندلاع الحرب العالمية الثانية.

قد لا يكون تواجد قوة استراتيجية مهيمنة كونياً، لحفظ استقرار أي نظام دولي، ضرورياً لاستقرار أي نظام دولي، كما هو حال معظم الأنظمة الدولية المتعاقبة، منذ نهاية القرن الخامس عشر. بل قصور آليات التوازن، وراء عدم استقرار أي نظام دولي، ومن ثَمّ دخول مسرح السياسة الدولية المليء بالصراعات والمصالح المتضاربة، في دوامة العنف وعدم الاستقرار.

كل الأنظمة الدولية، ما قبل نظام الأمم المتحدة كان الخلل يكمن في آليات توازنها. ما قبل نظام الأمم المتحدة كانت آليات توازنها، ومن ثَمّ مصير استقرارها طال أم قصر، يعتمد على معيار ما سُمي بتوازن القوى (التقليدي). ميزان القوى هذا ميزان حساس ومرن، لإدارة الصراعات بين القوى الكبرى في أي نظام دولي. أي إخلال لو ضئيل فيه، حتى لو كان غير حقيقي، سرعان ما يحفز ما يقابله لإعادة التوازن من جديد. هذا الاختلال الحساس في ميزان القوى يحفز سباق محموم للتسلح، حتى يصل الأمر لشعور، عادةً ما يكون غير حقيقي ولا محسوب بالضبط، بإحدى القوى الفاعلة فيه: أن بوسعها خرق نطام توازن القوى القائم، لتعمل على تقويضه، بالقوة، فتنشب الحروب الكونية الحاسمة، التي تتوالى فيها القوى المهيمنة على أي نظام دولي.

نظام الأمم المتحدة، خاصةً بعد حسم الجبهة الشرقية في الحرب العالمية الثانية، بهزيمة واستسلام اليابان (أغسطس ١٩٤٥م)، آذن الأمر ببروز آلية توازن أممي جديد، صعب إن لم يكن مستحيل تجاهلها، دعك من تحديها. تطوير سلاح غير تقليدي، أسرع من حسم مصير الجبهة الشرقية في اليابان، آخر معاقل معسكر المحور، المكون من ثلاث قوى رئيسية في الحرب العالمية الثانية (ألمانية إيطاليا اليابان)، التي أسماها معسكر الحلفاء بقيادة الولايات المتحدة (معسكر الدول الفاشية)، إمعاناً في شيطنتها، تميزاً لمعسكر الحلفاء "الديمقراطي" بإلقاء الولايات المتحدة لقنبلتين نوويتين، في أغسطس ١٩٤٥م، على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، مما أسدل الستار عن الحرب العالمية الثانية، بهزيمة واستسلام اليابان، آخر معاقل معسكر المحور.  

عهد الحرب الباردة      

بزوغ ما سمي حينها بنظام الأمم المتحدة لم ولن يُشِر لا حينها وإلى الآن أن السلام قد حل بالعالم وأن الصراعات العنيفة، خاصةً بين الدول الكبرى، قد زالت مسبباتها، بل لنقل: إغراءاتها وغوايتها. في حقيقة الأمر: نظام الأمم خلف درع الرادع النووي، استبعد نشوب حرب بين الدول الكبرى، التي شكلت نظام تعدد القطبية الأيدلوجية والسياسية بين الدول الكبرى، التي قسمت العالم إلى قطبين رئيسيين رأسمالي (حلف شمال الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة وحلف اشتراكي (حلف وارسو)، بزعامة الاتحاد السوفيتي. لكن في حقيقة الأمر، لم تختفِ الصراعات العنيفة من أرجاء المعمورة، مطلقاً، عدا احتمالات الحرب المباشرة بين القوتين الأعظم، في نظام الأمم المتحدة.

إلا أن التنافس بين قطبي نظام الأمم المتحدة الرئيسيين، استمر على مكانة الهيمنة الكونية، الذي لم يحسمه نظام الأمم المتحدة، لتنشب حربٌ من نوع جديد عُرفت بالحرب الباردة لاستحالة تطورها لحربٍ ساخنة، بسبب توفر السلاح النووي، الخاضع لمعادلة توازن الرعب النووي، الذي لا يسمح حتى التفكير في استخدامه، لتطور ما يسمى بعقيدة الضربة الثانية، حيث لا يضمن أي طرف نووي حسم الحرب، إذا ما بدأ بها، بعدم قدرة الطرف الآخر الرد، مما قد يقود في النهاية إلى نهاية مؤكدة للاثنين، وربما للحياة على وجه الأرض.

لكن الخضوع لمعادلة توازن الرعب النووي، لا يعني انتهاء حالة الصراع بين قطبي معادلة توازن الرعب النووي، حتى في جانبه العنيف، فطُور ما سمي بحروب الوكالة، على تخوم الحدود الفاصلة بين نفوذ المعسكرين. عندما يشتد الصراع الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والدعائي بين قطبي النظام الدولي الرئيسيين ذوداً عن حدود نفوذهما الإقليمي أو تنامي غريزة امتداد زحف أحدهما على الحدود الفاصلة بينهما، يلجأ إلى خيار الحرب في صورتها التقليدية، للتنفيس عن حالة الصراع المتمكنة من النفس البشرية، عن طريق ما عُرف بالحرب بالوكالة، بحيث لا يُسمح لهذه الحروب بأي احتكاك مباشر بين جيوش قطبي النظام الدولي الرئيسيين، حتى لا يتطور هذا الصراع (البارد) إلى صدام مباشر (ساخن)، مما قد يجر العالم إلى حربٍ كونية ثالثة، نووية هذه المرة، لا تنتهي بانتصار أحدهما على الآخر، كما هو المعتاد في الحروب التقليدية، التي كانت تنشب، بسبب نظام توازن القوى التقليدي، الغير مستقر بطبيعته.

هذا يُفسر إلى حدٍ كبير حالة الاستقرار، التي قد يصل إلى حالة الاستدامة، لنظام الأمم المتحدة، مقارنةً، بنظام عصبة الأمم السابق له. لقد وجدت حالة الصراع المتأصلة في طبيعة النفس البشرية وطبيعة الدولة، نفسها بين بعضها البعض، في مجالات للتنافس بين القوى الكبرى، غير الاحتكام لقعقعة القتال وصليل السيوف، في مجالات العلوم والصحة والتقدم التكنلوجي وعلوم الفضاء وتقدم وسائل المواصلات وتخطيط المدن، بل حتى القناعة باستبدال حالة الصراع نفسها في بعض مناطق العالم، بحالة التعاون والتكامل الإقليمي، بين دول كانت تحكم علاقاتها ببعضها البعض تاريخياً حالة الصراع والاقتتال، الذي صبغ العلاقات بين الدول والمجتمعات، بتاريخها القديم والحديث.

باختصار: ما يميز به نظام الأمم المتحدة عن سابقيه من الأنظمة الدولية الحديثة المتعاقبة، منذ نهاية القرن الخامس عشر، الذي توجت بالاكتشافات الجغرافية الجديدة في العالم الجديد بين ضفتي المحيطين الأطلسي والهادي.. وكذا ظهور نموذج الدولة القومية الحديثة، منتصف القرن السابع عشر، بوصف الدولة القومية الحديثة كونها: العضو الوحيد لأي نظام دولي حديث. وهذا التطور حديثاً، لم يكن ممكناً إلا مؤخراً، بفضل نظام الأمم المتحدة، لتوفر متغيرين أساسيين، لم يكونا متوفرين في قبله من الأنظمة الدولية. الأول: وجود قوة دولية أساسية تتكفل باستقرار نظام الأمم المتحدة، بصورة حصرية، بدفع تكلفة الهيمنة الكونية الرفيعة، مقابل الحصول على امتيازات هذه المكانة الكونية الرفيعة. المتغير الثاني الأهم هنا: تطور نظام دولي جديد مستقر، إلى حد كبير، تصعب، إن لم يكون المستحيل نشوب حرب كونية ثالثة بين قطبي نظام الأمم المتحدة، بتطوير آلية توازن جديدة تستبدل نظام توازن القوى التقليدي، غير المستقر، بنظام توازن الرعب النووي، الأكثر استقراراً، نسبياً.

نهاية تجربة التحالفات الدولية

الدولة، بطبيعتها كيان سياسي مناطقي، يرتبط استمرارها وبقاؤها، بإمكانات وجودها، نفسه. الأمن هو القيمة العليا والضمانة الأكيدة لبقاء الدولة، أي دولة. الدولة، أي دولة، تغار على أمنها القومي، غيرتها على سيادتها واستقلالية قرارها السياسي، بل ووجودها، نفسه.  بقاء واستقرار أي دولة، يتوقف ليس فقط على إرادة شعبها وتمكين حكومتها، بل أكثر توفر الإمكانات المادية والإرادة السياسية، اللازمين لضمان أمنها القومي.. والدفاع عن نفسها وحماية مصالحها الحيوية، في عالم تحكمه قيم الصراع، خالٍ من أي سلطة أممية مركزية تفرض قانونها (الدولي)، بقوة مادية جبرية، شأن حكومات مجتمعات الدول المحلية.

أولاً وأخيراً: من الضروري أن تعتمد الدولة في الذود عن أمنها القومي على إمكاناتها الدفاعية الذاتية، في مواجهة أي تحدٍ، سواء كان خارجي أو داخلي، على إمكاناتها وقدراتها الأمنية الذاتية. حتى أن الدولة، أي دولة، تعتمد شرعية حكومتها، بعد مصدر شرعيتها الأساس المتمثل في إرادة شعبها، على خدمة مسؤوليتها الأمنية الأولى. حتى أنه يتعين أداء قسم الولاء لرموزها السياسية الأساسية، في أفرع الحكومة الثلاثة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) على التزامهم بوحدة وسلامة أراضي إقليمها. بل أن الشرط المُعَلِّق للالتزام بعضوية الدولة، في أي كيان إقليمي أو دولي، هو: الاعتراف بسيادة الدولة واستقلالية قرارها، من قبل أعضاء النظام الدولي.. ويكون، تبعاً لذلك: على مؤسسات أي نظام دولي أو إقليمي، تمكين الدولة الدفاع عن نفسها، بل حتى مساعدتها باستخدام كل إمكانات الذود، الذاتي والجماعي، الدفاع عن حمى إقليمها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

كذلك الإقرار بحق الدولة دعم قدرتها الدفاع عن نفسها، عن طريق الإقرار بحريتها المطلقة في دعم وتعظيم قدرتها الدفاعية، باللجوء إلى خيار التحالف مع أعضاء آخرين ومؤسسات النظام الدولي الأخرى، بما لا يمس سيادتها على إقليمها وقرارها السياسي، في الشؤون الداخلية وقضايا سياستها الخارجية، وهي في نفس الوقت تبقى حرة في البقاء أو الخروج من الأحلاف التي تعقدها مع أعضاء النظام الدولي ومؤسساته الأممية، في أي وقت تراه يتوافق مع دواعي أمنه ومقتضيات خدمة مصالحها الوطنية، في الداخل والخارج.. أو تغيير خياراتها الإقليمية، من جهة إلى جهة أخرى، وفقاً لمصالحها الحيوية، ومقتضيات أمنها القومي.

الانضمام، إذاً: إلى الأحلاف الإقليمية والدولية، في كل الأوقات، تدفعه مقتضيات تعظيم إمكانات أمنها القومي، وليس على حساب سيادتها المطلقة على إقليمها أو الإضرار بمصالحها القومية، في بيئة السياسة الدولية غير المستقرة بطبيعتها. من هذه المسلمة الاستراتيجية العليا، تسعى الدولة لتطوير وتعظيم إمكاناتها الدفاعية، بما لا يؤثر سلباً أو يضير استقلالها أو سيادتها المطلقة على إقليمها. هذا هو المبرر الأساس الأول للجوء الدول إلى خيار الانضمام للأحلاف الإقليمية والدولية خدمة للذود عن أمنها القومي وحماية مصالحها الحيوية، وحتى اقتسام وأخذ ما تراه نصيبها العادل من موارد النظام الدولي والإقليمي، مع شركائها الإقليميين والدوليين.

لكن أهمية الانضمام الاستراتيجية هذه للأحلاف الإقليمية والدولية، سرعان ما تفقد شرعية اللجوء إليها، عندما تعكس عبئاً أمنياً استراتيجياً، ولم تعد أصلاً استراتيجياً للذود عن أمن الدولة القومي وخدمة مصالحها الحيوية ونفوذها الإقليمي وحضورها الدولي، في البيئة الخارجية لمسرح السياسة الدولية.

في عهد الحرب الباردة شاعت حركة الانضمام للأحلاف الإقليمية والدولية، لتعكس رغبة الدول الدفاع عن أمنها القومي وتعظيم قدرتها على خدمة مصالحها الحيوية، كما تحددها مؤسسات صناعة سياستها الخارجية. في عهد الأمم المتحدة كانت الأحلاف العسكرية واتفاقات التعاون والتكامل الإقليمي والدولي أداتين رئيسيتين، لتعظيم قدرات الدول الأمنية، وكذا تعظيم إشباع احتياجات التنمية الداخلية بها. أهم حلفين دوليين، في هذا الصدد كانا حلف معاهدة شمال الأطلسي (النِتو) ٤ أبريل ١٩٤٩ وحلف وارسو (١٩٥٥-١٩٩١م). الأول ما زال قائماً، أما الثاني فقد أنهار مايو ١٩٩١م، حتى قبل انهيار راعيه الأممي (الاتحاد السوفييتي) ديسمبر ١٩٩١م.

لكن معاهدة حلف شمال الأطلسي ليست الآن في وضع الاستقرار، دعك الزعم: كونها تشكل حلف أبدي، للمعسكر الرأسمالي، غرب الكرة الأرضية. هناك إرهاصات استراتيجية خطيرة تنبئ بأن النِاتو بدأت تظهر فيه تصدعات انهياره، ليختفي من خريطة الأحلاف الدولية بنهاية ٢٠٢٧م، كما أشارت بذلك رؤية إدارة الرئيس ترامب لمحددات الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. أخذاً بتراكمات إرهاصات انهيار حلف شمال الأطلسي، التي تتجاوز مقومات استمراره ومبررات بقائه، وذلك بتطور عاملين أساسيين، قد يقودان إلى مخاطرة استراتيجية عظيمة تتطور بين أعضائه، قد تعيد المسرح الأوروبي إلى مأساته الاستراتيجية التاريخية، في كونه موقعاً للحروب الكونية العظمى.

العامل الأول: فقدان الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأمريكي السابع والأربعين الحالي دونالد ترامب حماسها للإبقاء على حلف شمال الأطلسي، برفعه لشعار أمريكا أولاً.. وتتطور الحنين لدى واشنطن لحالة العزلة عن الانخراط في الشؤون الدولية، وتنامي تكلفة الاستراتيجية التداخلية في شؤون السياسة الدولية.

العامل الثاني: اكتشاف أوروبا، مؤخراً، إن لم يكن متأخراً، أن الخطر على أمنها، يمكن هذه المرة أن يأتي من حليفها الأساس عبر الأطلسي، غرباً، وليس من داخلها، دعك من عدوها اللدود، شرقاً (الدب الروسي) المتربص بها في عرينه الجليدي، في سفوح جبال الأورال الشرقية، ليثب عليها واجتياحها، متى انكشف عنها الغطاء الاستراتيجي الذي ظلت توفره معاهدة حلف شمال الأطلسي. أشد وأقسى مكامن الخطر الاستراتيجي لأي دولة أو مجموعة من الدول، عندما يأتي الخطر من مأمنه. لقد قال العرب، قديماً: يؤتى الحذر من مأمنه. حكمة استراتيجية بليغة، لم يفطن لها الأوربيون، إلا عندما صحوا يوماً، وحليفهم الاستراتيجي الأول الولايات المتحدة، يقرع بوابات حصونهم المتهالكة، طامعاً في أرضهم ومواردهم، في هجمة توسعية، لم تكن تتصور ولا في أبشع كوابيسهم. الرئيس ترامب أبدى، منذ بداية ولايته الثانية، يناير الماضي، تطلع إدارته لضم جزيرة جرينلاند، شراءً أم غزواً، أيهما يروق لحلفائه الأوربيين! وفاته، وإن لم يفته، سيان عنده أنه يتكلم هنا ويهدد دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وفي حلف شمال الأطلسي.

الخاتمة

عهد الأمم المتحدة أكثر الأنظمة الدولية استقراراً. لكنه ليس أأمنها مآلاً. يعزى استقرار نظام الأمم المتحدة النسبي، لعاملين. الأول وجود قوة عظمى طورت إرادة سياسية لضمان استقراره، بدفع تكلفة مظلته الأمنية وتحفيز تنمية اقتصادية سخية، لبؤر توتراته التاريخية، خاصةً على المسرح الأوروبي، الذي كان ساحة الحروب الفاصلة في التاريخ الحديث. والعامل الثاني، تمثل في تطوير سلاح غير تقليدي يجعل الحروب الكونية، بين القوى الأممية العظمى، من رابع المستحيلات. عندما يختفي هذان المتغيران، أو أحدهما.. أو تتطور مؤشرات لعدم كفاءة أنظمة الأحلاف الإقليمية والدولية، تتغلب، في هذه الحالة، إغراءات ولنقل: غوايات القوة للفصل بين صراعات الدول، على حكمة تبصر السلام وتقدير عوائده السخية والجزلة.

لم يكن نظام الأمم المتحدة في حاجة لإعادة النظر في كفاءته وفاعليته، كما هو حاله اليوم. سلام العالم وأمنه واستقرار نظامه الدولي، لم يكن في خطر، كما يبدو عليه اليوم. لقد عاش العالم في وهم استقرار نظام الأمم المتحدة، لأكثر من ثمانية عقود، لكن عواره الاستراتيجي الأعظم، في عدم قدرته التخلص من شبح حركة الصراع على الساحة الدولية، وإن خفف من وتيرة طبيعتها العنيفة، إلا إنه في النهاية، وفي المقابل: لم ينجح في جعل قوى التوازن العظمى في داخله تبصر حكمة عوائد السلام وقيم وروح وعوائد الاستقرار والأمن المستدام، بين شعوب الأرض.

في النهاية: يظل السلام بعيداً بعيداً، عن ضمير الإنسانية وقناعاتها، بالحاجة إليه، دعك من التطلع لسيادة قيمه ومنطقه ومبرره، شعوب الأرض ودوله، ومؤسسات النظام الدولي وشرائعه.

مقالات لنفس الكاتب