بعد ثمانية عقود على تأسيس هيئة الأمم المتحدة عام 1945م، تواجه المنظمة الدولية مستقبلًا ضبابيًا يكتنفه الغموض. فإن ميثاقها التأسيسي، الذي ينص على مبادئ المساواة في السيادة، والأمن الجماعي، وحقوق الإنسان، والتعاون الدولي، لم يجنبها السقوط فريسة للتحديَات المُستجدة التي تختلف اختلافًا جوهريًا عما كان سائدًا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وفي غمرة هذا التحول، يبرز الدور الأمريكي تحت لواء إدارة دونالد ترامب الثانية، التي نأت بنفسها، بل وتخلت عن مبادئ أممية جوهرية مثّلت غاية إنشائها. وفي المقابل، تبدو أوروبا في حالة من التردد في سياستها ونهجها؛ فهي تقرّ بحاجة المنظمة إلى الإصلاح، لكنها تصرّ في الوقت ذاته على ضرورة الحفاظ على النظام متعدد الأطراف. وفي ظل التوازنات الراهنة، قد يكمن مفتاح مستقبل الأمم المتحدة في تشكيل تحالف جديد يجمع بين أوروبا ودول الجنوب العالمي؛ تحالف يهدف إلى الحيلولة دون وقوع المنظمة تحت هيمنة القوى الكبرى، سواء كانت الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا.
عالم يموج بالمتغيرات
عكس الهيكل المؤسسي لمنظمة الأمم المتحدة- وبالأخص عضوية مجلس الأمن- شكل ميزان القوة خلال فترة ما بعد الحرب العالمية مباشرة. حيث كان يُنظر إلى الأعضاء الخمسة الدائمين بمجلس الأمن (الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين) بوصفهم ركائز دعم الاستقرار العالمي. فيما اُعتبر حق الاعتراض " الفيتو" وهو الامتياز الممنوح لهذه القوى بمثابة تنازل عملي لضمان مشاركتها في المنظمة حديثة النشأة.
وفي حين تمكنت المنظومة الأممية من الاضطلاع بدور محوري في إنهاء الاستعمار، وجهود حفظ السلام، ودعم المساعدات الإنسانية، وبناء المعايير خلال العقود التي تلت تأسيسها، لكنها وقفت عاجزة أمام صراع القوى العظمى إبان زمن الحرب الباردة الذي كشف الغطاء عن محدودية هذا الدور. وحتى مع طي صفحة هذه الحقبة التاريخية، لم تسلم الأمم المتحدة من شرور الصراعات الناشئة حديثًا، وتحديات العولمة، والتغيرات التكنولوجية، والمخاطر العابرة للحدود، وموازين القوة المتغيرة التي أبرزت جميعها محدودية نفوذها وقدرتها على التأثير.
لطالما شكلت الهيمنة الأمريكية على منظمة الأمم المتحدة قضية خلافية على وجه الخصوص. فمنذ نشأتها، مارست الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا، على أجندة الأعمال الخاصة بالمنظمة، وميزانيتها، وكذلك العمليات التي تقوم بها. ونظرًا لأن واشنطن تعد الممول الأكبر لميزانية الأمم المتحدة، واجهت المنظمة انتقادات بأنها تخدم المصالح الأمريكية دونًا عن سائر الأعضاء، بما أثر بشكل واضح على الشرعية التي تحظى بها. كذلك أدت التدخلات التي تقوم بها الولايات المتحدة دون تفويض من مجلس الأمن، وضربها عرض الحائط بالقانون الدولي عندما يتراءى لها، واستخدامها حق الفيتو لحماية حلفائها كإسرائيل على سبيل المثال، إلى تقويض التصور بشأن الأمم المتحدة ككيان محايد يعمل على تطبيق القوانين. فضلًا عن، اتهامها بالضعف نتيجة عجزها عن منع الصراعات. ولكن ما فشل المنتقدون في إدراكه، هو أن هذا الضعف الذي تبدو عليه المنظمة الدولية هيكلي في الأساس وليس نتيجة لسياساتها. وتعود جذوره ببساطة إلى اختلال التوازن في الهيكل المؤسسي بما يخول الدول الأكثر نفوذًا إمكانية تجاوز السلطة الأممية عندما تتعارض مع مصالحها، أو استخدامها عندما تتماشى مع أهوائها.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن ميثاق الأمم المتحدة لم يخلُ من بعض الثغرات ومواطن الضعف. أولها، إغفال ذكر أغلب التحديات الراهنة المُلحة؛ بدءًا من منع انتشار الأسلحة النووية، إلى الحرب السيبرانية، وأزمة التغير المناخي، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي والأنظمة المالية المعولمة. ثانيًا، عدم تحديث هياكل صنع القرار الأساسية داخل المنظمة لكي تتواكب مع رياح التغيير. فإن قارات إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأجزاء عديدة من آسيا لم تحظ بتمثيل داخل مجلس الأمن رغم كونها تشكل غالبية تعداد سكان العالم. وقد أضحى أي مسعى حقيقي للإصلاح مستحيلًا، نظرًا للهَيكل الحالي الذي يمنع ببساطة أية محاولة قد تحد من نفوذ القوى الراسخة في حال مُنح الأعضَاء الجدد نفس الامتيازات. ثالثًا، قد تجلّى بوضوح أن ميثاق الأمم المتحدة، بتأكيده المفرط على مفهوم سيادة الدول، قد غدا حجر عثرة أمام قدرة المنظمة على الاستجابة الفاعلة للنزاعات الداخلية، وحالات الإبادة الجماعية، وانتهاكات حقوق الإنسان؛ الأمر الذي أفضى إلى هوة سحيقة بين القيم المعلنة والحقائق التي تمليها موازين القوة. وقد بلغت هذه الفجوة مداها في ظل إدارة ترامب الثانية، إثر نكوص الولايات المتحدة عن النظام الدولي الذي كانت هي ذاتها القوة المحركة وراء إرساء دعائمه.
منذ عودة دونالد ترامب مجددًا للبيت الأبيض، توالت القرارات الأمريكية إما بالانسحاب أو بوقف تمويل العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، مع التشكيك صراحة في جدوى الاتفاقيات متعددة الأطراف وقيمة المنظمة الدولية. شمل ذلك الانسحاب من اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية، والعلم، والثقافة "اليونسكو"، ومنظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. بشكل عام، بلغ عدد المنظمات الأممية التي شملها قرار الانسحاب الأمريكي 31 منظمة بخلاف 66 منظمة دولية أخرى.
بالإضافة إلى إضعاف المنظومة الأممية، تُبرِز هذه الخطوات أيضًا نية الإدارة الأمريكية الواضحة لنبذ التعددية التي لطالما دافعت عنها واشنطن. وهو ما يشكل أيضًا باعثًا لقلق الأوروبيين الذين يتخوفون من تشكل سياسة أمريكية جديدة تهدف صراحة لبسط الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي مثلما شوهد مؤخرًا من خلال أزمتي فنزويلا وجزر جرينلاند. وفيما يخص الأمم المتحدة، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه ينطوي على آثار مدمرة نظرًا لاعتمادها بشكل كبير على مشاركة راعيها الأمريكي والعضو الأكثر نفوذًا داخل المنظمة. بالتالي، فإن الانسحاب الأمريكي يخلق فراغات مالية، وسياسية، ومعيارية جمة يتعذر على الأطراف الدولية الأخرى سد فجواتها.
الاستجابة الأوروبية
من الواضح أن أوروبا عانت في التعامل مع المستجدات الراهنة على الساحة الدولية والاستجابات الأمريكية لمثل تلك التطورات، بالإضافة إلى تغير الموقف الأمريكي بشأن المؤسسات الراسخة مثل الأمم المتحدة. فمنذ أن أبصرت المنظمة النور، كانت البلدان الأوروبية من بين أشد الداعمين لها باعتبار ذلك جزءًا لا يتجزأ من التزامها بالنَهج التعددي، والقانون الدولي، والنظام القائم على قواعد. بالنسبة لأوروبا، فإن الأمم المتحدة ليست مجرد منظمة أو مكانًا لعقد الاجتماعات، بل ركيزة معيارية جوهرية تعزز ما تبقى لها من نفوذ مُتضائل.
من ثم، فإن السياسات الأمريكية الجديدة تضع الحكومات الأوروبية في موقف لا تحسد عليه؛ ما بين التوافق مع الشكوك الأمريكية بما يقوض مكانة المؤسسات الدولية التي لطالما اعتمدت عليها أوروبا. أو مُعارضة الحليف الأمريكي والمجازفة بتفاقم التوترات عبر ضفتي الأطلسي في وقت يتعرض فيه الأمن الأوروبي لتهديد مباشر جراء الغزو الروسي لأوكرانيا. ولعل ذلك ما يفسر الحذر الذي اتسمت به ردود الفعل الأوروبية حيال الانسحابات الأمريكية من الهيئات الأممية. ففي العديد من الحالات، سارعت الدول الأوروبية لسد الفراغ التمويلي أو الدفاع عن المؤسسات المستهدفة ولو بالخطابات، مع تجنب خوض مواجهة صريحة أمام واشنطن. ناهيك عن أن الآراء الأوروبية نفسها ليست متوافقة. فإن دولًا مثل فرنسا والمملكة المتحدة التي تحظى بعضوية دائمة داخل مجلس الأمن لديها مصلحة مباشرة في استمرار الوضع القائم، في حين أن ألمانيا وسائر الدول الأوروبية الأخرى التي تفتقر لهذا الامتياز، قد تُبدي دعمًا صريحًا للتوسع في عضوية المجلس. بالتالي، بينما يُعرب الاتحاد الأوروبي إجمالًا عن دعمه لإصلاح مجلس الأمن، بما في ذلك تمثيل أكبر لقارة أفريقيا، لا يزال يكافح من أجل ترجمة هذا التوافق إلى أداء دبلوماسي فعال.
علاوة على ذلك، فإن النهج الأوروبي الحالي لم يحسم بعد الإجابة عن التساؤل الاستراتيجي الجوهري الذي يواجه القارة العجوز؛ هل بوسعها الاستمرار في دعم نظام لا يزال خاضعًا للهيمنة الأمريكية أم الدفع بشكل أكثر قوة نحو مسيرة إصلاح تعكس الواقع العالمي الصاعد؟ كما أن تنامي دعوات القوى الصاعدة لرعاية نظام أممي أكثر شمولًا يعكس التحولات الديموغرافية، والاقتصادية، والسياسية، لم تترك لأوروبا سوى خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتوافق مع هذه المطالب لتصبح جسراً للتواصل بين الجنوب العالمي والقوى العالمية الراسخة، أو أن تمنح الأولوية للتآزر مع حليفها الأمريكي حتى وإن ترتب على ذلك التشبث بنظام يزداد النزاع عليه.
الأكيد، أنه من خلال دعمها للتوسع في عضوية مجلس الأمن، والحد من استخدام حق الفيتو، وتدعيم أدوار الجمعية العامة والقانون الدولي، قد يتسنى لأوروبا القيام بدور حيوي نحو إعادة إحياء المنظومة الأممية بوصفها مؤسسة تعبر بشكل صادق عن النُهج متعددة الأطراف. كما يرسخ لمكَانتها كقوة معيارية في عالم يزداد تشرُذمًا وتفكُكًا. وهي مكانة لطالما دافعت عنها، ولكن لم تستطع الحفاظ عليها نتيجة مواقفها المزدوجة فيما يتعلق بحرب غزة، على سبيل المثال، والتطبيق الانتقائي للمبادئ الدولية مقارنةً بموقفها من العدوان الروسي على أوكرانيا.
يُمكن القول أن مآلات منظمة الأمم المتحدة رهينة ثلاث قوى فاعلة: التحولات الطارئة على المشهد الدولي، وديناميكيات السياسة الأمريكية، والتوجهات الأوروبية. وفي خضم تبدل موازين القوى العالمية وتنامي المطالبات بتمثيلٍ أكثر إنصافاً داخل المؤسسات الدولية، فإن المنظمات التي تخفق في مواكبة هذه التحولات تغدو عرضة لفقدان جدواها ومكانتها. ورغم استمرار الأمم المتحدة كأداة استراتيجية في يد راعيها الأمريكي، إلا أن فرضية الاستغناء عنها تظل قائمة وغير مستبعدة. وهنا يبرز الدور الأوروبي كمتغيرٍ حاسم؛ فإما أن تستثمر أوروبا ثقلها السياسي في دفع عجلة الإصلاح، وبناء الشراكات، وتكريس تعددية قائمة على المبادئ لتقود المنظمة نحو التجديد، وإما أن تكتفي بردود الأفعال، وحينها لن تجني سوى التآكل التدريجي لدورها ونفوذها.






