تمثل القارة الإفريقية، بتعقيدات أزماتها المتشابكة بين الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، الاختبار الفعلي والأبرز لفعالية منظمة الأمم المتحدة وقدرتها على إنفاذ مقاصدها التي أُسست من أجلها عام 1945م. فبعد مرور ثمانين عاماً على إنشاء المنظمة الدولية وسياساتها تجاه القارة الإفريقية، تبرز ضرورة لتقييم هذا المسار الطويل من زاوية تنموية؛ إذ لم تعد القارة مجرد ساحة لتلقي المساعدات، بل أصبحت بكتلتها التصويتية (54 دولة، أي ما يفوق ربع أعضاء الأمم المتحدة) محوراً رئيساً في صياغة الأجندة العالمية، لا سيما أهداف التنمية المستدامة، ما جعلها ساحة رئيسية لتطبيق برامج التنمية والسلام والحوكمة العالمية.
وتكتسب هذه اللحظة أهمية خاصة لأنّها تمثّل ثمانين عامًا من الدور الأممي في إفريقيا، ما يحتّم تقييمًا دقيقًا لمدى نجاح منظومة الأمم المتحدة في ترجمة شعارات “الاستدامة والسلام والتنمية” إلى نتائج ملموسة. فقد تغيّر الخطاب الإفريقي من المطالبة بالتحرّر من الاستعمار إلى المطالبة بـشراكة عادلة ومتوازنة تحقق تنمية شاملة وتُمكّن القارة من إدارة مواردها بعيدًا عن الاستنزاف والتبعية.
ومن هنا تطرح هذه المقالة الأسئلة التالية: إلى أي مدى أسهمت الأمم المتحدة في دعم التنمية الاقتصادية في إفريقيا؟ وما العوامل التي حدّت من فعاليتها؟ وكيف يمكن تعزيز هذا الدور لضمان تنمية عادلة ومستدامة في القارة السمراء؟ وكيف تنظر الدول الإفريقية، شمالًا وجنوبًا، إلى مستقبل ودور المنظمة الدولية في ظل التحديات الراهنة؟ — بين آمالٍ متجددة في الإصلاح، ومخاوف من استمرار التفاوت في مخرجات التعاون الدولي.
الأطر المؤسسية للدور الاقتصادي والتنموي الأممي في إفريقيا: شراكات محورها التنمية
تتشكل هندسة الدور الأممي في القارة الإفريقية عبر شبكة معقدة من المؤسسات المتخصصة التي تعمل وفق مبدأ "التفاعل المتبادل" بين الأجندات العالمية والخصوصيات الإقليمية. وتبرز لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا (ECA)، التي تأسست عام 1958م، بقرار من المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، كحجر زاوية في هذا الإطار؛ لتكون الذراع الإقليمية للأمم المتحدة في القارة، وهدفها تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعم التكامل الإقليمي، وتيسير التعاون الدولي. وهي تضم في عضويتها 54 دولة إفريقية، وتعمل في ثمانية مجالات محورية تشمل السياسات الاقتصادية الكلية، والتكامل التجاري، والتنمية الاجتماعية، والابتكار والتكنولوجيا، وإدارة الموارد الطبيعية، والحكم الرشيد، والإحصاء، والمساواة بين الجنسين.
وترتكز القوة المؤسسية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا على قدرتها الفريدة في العمل على المستويين الإقليمي ودون الإقليمي عبر مكاتبها في الرباط، نيامي، ياوندي، كيغالي، ولوساكا، حيث تركز على مجالات تنموية استراتيجية. ومن الناحية الهيكلية، تخصص المنظمة الدولية موارد معتبرة لدعم هذه البرامج؛ إذ تشير بيانات اللجنة إلى تخصيص موازنة تقديرية تبلغ 109 ملايين دولار لدعم مبادرات الاتحاد الإفريقي والتعاون الإقليمي، منها 97 مليون دولار من المساهمات المقررة و12 مليون دولار من المساهمات الطوعية. كما أسهمت اللجنة في إطلاق “حوار رفيع المستوى حول الطاقة” الذي رسم خريطة طريق لتوفير الكهرباء لـ 500 مليون إفريقي بحلول 2025م، إضافة إلى تعزيز الاستثمارات الخضراء بقيمة 8.5 مليارات دولار في جنوب إفريقيا و1.5 مليار دولار لحماية غابات حوض الكونغو.
كما تُظهر بيانات تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن إفريقيا تمثل أكبر مجال لعمل الأمم المتحدة، إذ استحوذت على 38 %من إجمالي الإنفاق الأممي على التنمية والسلام والمعونات الإنسانية (21 مليار دولار)، ويعمل بها أكثر من 76,600 موظف مدني و62,000 عنصر نظامي. وتتركز الجهود على دعم تنفيذ أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 م، وأجندة التنمية المستدامة 2030، من خلال مبادرات نوعية في مجالات الطاقة والغذاء والمناخ.
المصدر: تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول التنمية في إفريقيا
علاوة على الدور المحوري الذي تؤديه اللجنة الاقتصادية لإفريقيا (ECA)، يمثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أحد الأعمدة التنفيذية الحيوية للمنظومة الأممية في القارة. فقد تحوّل البرنامج خلال العقد الأخير إلى شريك استراتيجي للحكومات الإفريقية في بناء القدرات الوطنية وتعزيز الحوكمة وتمويل المشروعات الميدانية. ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2022م، نفذ البرنامج أكثر من 1,800 مشروع تنموي في إفريقيا جنوب الصحراء، شملت مجالات مكافحة الفقر، والرقمنة، والإدارة المستدامة للموارد، وتمكين المرأة. كما خصص حوالي 2.9 مليار دولار لدعم التنمية المحلية، مع تركيز خاص على تعبئة الموارد الوطنية باعتبارها "محور تغيير قواعد اللعبة" في تمويل التنمية، إذ تفوق قيمتها حاليًا إجمالي التدفقات الأجنبية إلى القارة بنسبة تقارب 120 %.
وفي إطار تعزيز الشفافية المالية ومكافحة التدفقات غير المشروعة، أطلق البرنامج بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي مبادرة “Africa Against Illicit Financial Flows”، التي ساعدت 15 دولة إفريقية على تطوير نظم رقابية لمتابعة تدفق الأموال عبر الحدود. وقد أظهرت بيانات اللجنة الاقتصادية لإفريقيا أن القارة تخسر سنويًا ما يقارب 88.6 مليار دولار بسبب التدفقات المالية غير المشروعة، أي ما يعادل %3.7 من الناتج المحلي الإجمالي الإفريقي، وهو ما يجعل التصدي لهذه الظاهرة شرطًا أساسيًا لزيادة الموارد المخصصة للتنمية المستدامة.
أما على صعيد التجارة الدولية، فإن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) يلعب دورًا تكامليًا في دعم أولويات القارة ضمن النظام التجاري العالمي، إذ يوفر تحليلات ودعمًا فنياً لدمج الاقتصادات الإفريقية في سلاسل القيمة العالمية. وتشير بيانات "اليونكتاد" لعام 2024م، إلى أن تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، بدعم مباشر من الأمم المتحدة، قد يسهم في رفع حجم التجارة البينية الإفريقية بنسبة 52% بحلول 2030م، وزيادة الصادرات الصناعية الإفريقية إلى خارج القارة بنسبة 29 %. كما أطلقت اليونكتاد “برنامج دعم التحول الصناعي في إفريقيا” الذي ساعد أكثر من 20 دولة على تطوير استراتيجيات لتقليص العجز التجاري وتحسين تنافسية السلع المحلية.
وفيما يتعلق بالقضايا البيئية والمناخية، يبرز دور برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي يقود بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي والمراكز الإقليمية مبادرات التحول الأخضر ومكافحة التصحر. ومن أبرز النماذج العملية “مبادرة الحزام الأخضر الكبير” التي تمتد عبر 11 دولة في الساحل الإفريقي من السنغال إلى جيبوتي، والتي ساهم فيها البرنامج بتمويل تجاوز 1.4 مليار دولار حتى عام 2024م، مما أسهم في استعادة أكثر من 20 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة. كما أطلق البرنامج مشروع "الاقتصاد الأزرق لإفريقيا" لتعزيز إدارة الموارد البحرية في شرق إفريقيا، ما أدى إلى خلق نحو 450 ألف فرصة عمل خضراء في مجالات الصيد المستدام والسياحة البيئية.
ويُظهر هذا التفاعل المؤسسي مدى تداخل أدوار الأمم المتحدة في إفريقيا وتكاملها، حيث تعمل هذه الهيئات ضمن منظومة موحدة تستهدف تحقيق التحول الهيكلي الشامل، من خلال الجمع بين التنمية الاقتصادية المستدامة، والإصلاح المؤسسي، والاستجابة البيئية الذكية، في إطار الشراكة الأممية الإفريقية القائمة على تنفيذ أجندة 2030م، وأجندة الاتحاد الإفريقي 2063م.
من جهة أخرى، تُمثل الشراكة المؤسسية بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي الإطار الحاكم للتفاعل الأممي-الإفريقي، والمبني على “الإطار المجدد للشراكة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي من أجل التكامل والتنمية في إفريقيا” (قرار الجمعية العامة 71/254). ويضمن هذا التعاون مواءمة الأجندتين الأممية والإفريقية، ويسهم في معالجة القضايا المشتركة مثل النزاعات، وتعبئة الموارد المحلية، وتقوية الحوكمة. وتتمثل إحدى الثمار العملية لهذا التكامل في التعاون بين اللجنة الأممية لإفريقيا وآلية الاستعراض الذاتي الإفريقي (APRM) التابعة للاتحاد الإفريقي لتطوير حلول تركز على تقوية الحوكمة كعامل تمكيني لتحقيق التنمية.
الأمم المتحدة والتنمية الاقتصادية في إفريقيا: إنجازات حاضرة وتحديات مؤجلة
بعد مرور ثمانين عامًا على تأسيسها، تظل فعالية الأمم المتحدة في دعم التنمية الاقتصادية بإفريقيا موضع تقييم ونقاش واسع. فعلى الرغم من النجاحات المحققة في مجالات السلام والأمن، وتعزيز الحوكمة والإصلاح المؤسسي، فإن التحديات الاقتصادية الكبرى لا تزال تُثقل كاهل القارة السمراء. حيث تشير البيانات الحديثة إلى أن أقل من %30 من دول إفريقيا جنوب الصحراء تسير على المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030م، فالتقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة في إفريقيا يسير بوتيرة متعثرة تنذر بالخطر، حيث تواجه معظم الأهداف (14 هدفاً من أصل 17) "تحديات كبيرة" أو "جسيمة"، وفقاً لتقرير الأمين العام. وتتصدر أهداف القضاء على الفقر (الهدف 1) والعمل اللائق (الهدف 8) قائمة التحديات الأكثر خطورة. فيما تعاني أكثر من 20 دولة من خطر ضائقة الديون، مع تجاوز خدمة الدين العام نسبة 50 % من الإيرادات الحكومية.
من ناحية أخرى، تبرز عقبة "قصور التمويل" كأحد أخطر التحديات الهيكلية؛ حيث تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن التمويل المخصص للتنمية الإفريقية لا يتجاوز 2% من إجمالي الإنفاق التنموي العالمي، ما يعمّق الفجوة بين الطموحات والأدوات المتاحة. كما أن إجمالي الإنفاق الأممي في القارة البالغ نحو 21 مليار دولار يظل ضئيلاً أمام الفجوة التمويلية الهائلة، حيث تحتاج القارة لتعبئة موارد محلية تُقدر بـ 1.43 تريليون دولار سنوياً لتحقيق أهداف أجندة 2030م.
كما يتمثل أحد أبرز التحديات في ضعف التنسيق بين وكالات الأمم المتحدة العاملة في القارة. فرغم تعدد البرامج التنموية، ما تزال الجهود مشتتة ومفتقدة إلى آلية تكاملية توحد الأهداف وتمنع الازدواجية. كما أن اعتماد معظم الدول الإفريقية على المساعدات الخارجية بدلاً من الاستثمار المنتج جعل اقتصاداتها عرضة لتقلبات المانحين وتباطؤ التدفقات المالية.
وعلى صعيد التنافس الدولي، أدى تصاعد نفوذ القوى الكبرى — كالصين وروسيا والولايات المتحدة — إلى تقليص التأثير النسبي للأمم المتحدة في رسم الأجندة الاقتصادية الإفريقية. فعلى سبيل المثال، أصبحت مبادرات كـمبادرة الحزام والطريق الصينية أكثر تأثيرًا في مجالات البنية التحتية من برامج الأمم المتحدة التقليدية، بينما تميل بعض الحكومات الإفريقية إلى التعامل الثنائي بدلاً من القنوات الأممية بسبب بطء الإجراءات وضعف المرونة.
آفاق جديدة للشراكة الأممية الإفريقية: نحو ميثاق أممي-إفريقي للتنمية
تنظر الدول الإفريقية اليوم، شمالًا وجنوب الصحراء، إلى الأمم المتحدة كشريك لا غنى عنه، ولكنها تطالب في الوقت نفسه بدور أكثر فعالية وواقعية في دعم قضايا التنمية وتعزيز الأمن الإقليمي. فبعد ثمانين عامًا من التجربة الأممية، تتطلع العواصم الإفريقية إلى منظمةٍ قادرة على الانتقال من نهج إدارة الأزمات إلى نهج صناعة التنمية والسلام المستدام. وتشير تقارير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا إلى أن نحو 60% من النزاعات الإفريقية ذات جذور اقتصادية تتعلق بسوء توزيع الموارد، والفساد، وضعف العدالة الاجتماعية، ما يجعل الإصلاح الاقتصادي شرطًا للسلم الأهلي.
في هذا السياق، تراهن دول شمال إفريقيا، مثل الجزائر، وتونس، والمغرب، ومصر، على دعم الأمم المتحدة في تطوير سلاسل القيمة الصناعية والزراعية، وتعزيز التكامل مع إفريقيا جنوب الصحراء ضمن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهي مبادرة تشارك الأمم المتحدة بفاعلية في دعمها عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونكتاد. وفي المقابل، تأمل دول الساحل وإفريقيا الوسطى أن تساهم المنظمة في احتواء الانقلابات وتعزيز الحكم الرشيد عبر آليات أكثر استقلالية، كتفعيل مبادرة "إسكات البنادق" عبر شراكة أعمق مع الاتحاد الإفريقي، إلى جانب تكثيف الجهود في مكافحة الاتجار غير المشروع بالسلاح والمخدرات. أما على صعيد الهجرة غير النظامية، فتتطلع الدول الإفريقية إلى دعم أممي لمشروعات خلق فرص العمل والتنمية المحلية للحد من تدفقات المهاجرين.
إن تحقيق الإصلاح المنشود يتطلب من الأمم المتحدة إعادة توجيه أولوياتها في القارة نحو تمكين القدرات الوطنية، وتوطين التنمية، ودعم مبادرات التمويل الإفريقي الذاتي. فمستقبل العلاقة بين إفريقيا والأمم المتحدة مرهون بقدرة الطرفين على بناء شراكة متوازنة تُعلي من صوت القارة وتحوّل مواردها من ساحة تنافس دولي إلى رافعة للتنمية المشتركة والسلام الدائم.






