لعلّ أهم حدث أختتم به عام ٢٠٢٤م، ودُشن به عام ٢٠٢٥م، هو عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحكم الولايات المتحدة، عندما أُعيد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة في الثالث من نوفمبر ٢٠٢٤م، ليكون الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة في العشرين من يناير ٢٠٢٥م، مجدٌ شخصيٌ نادرٌ حققه ترامب، ولم يسبقه فيه سوى الرئيس غروفر كليفلاند (١٨٧٣-١٩٠٨م). حيث القاعدة في حكم أمريكا عدم انتخاب أي رئيس بعد خسارته لفرصته الأولى للانتخابات الرئاسية.. أو عدم إعادة انتخابه بعد فترته الأولى، بحجة عدم لياقته السياسية وافتقاره للجاذبية الانتخابية، وعدم قدرته على الحظوة بثقة الشعب الأمريكي، كما يمكن أن تُعزى للرئيس ترامب، بأن يكون رئيساً حالياً وسابقاً، ويحمل رقمين غير متتالين في ترتيب رؤساء الولايات المتحدة (الرئيس الخامس والأربعون والسابع والأربعون)، في فترة ثلاث ولايات متتالية، للرئاسة الأمريكية.
إنجاز غير مسبوق بتكتيكات غير تقليدية
ترامب امتدت فترة حملته الانتخابية للفوز بثقة الشعب الأمريكي، للعودة للبيت الأبيض، بعد فترة انقطاع امتدت لفترة رئاسية واحدة (أربع سنوات)، حكم فيها الديمقراطيون برئاسة =6+
547\- (جو بايدن). نجح دونالد ترامب في حملته الانتخابية، التي استمرت لأربع سنوات من لحظة خروجه من البيت الأبيض بانتهاء فترته الرئاسية الأولى، في تمام الساعة الثانية عشر ظهراً، ٢٠ يناير ٢٠٢١م، حتى عودته للبيت الأبيض، بعد أربع سنوات في نفس وقت خروجه الأول العشرين من يناير ٢٠٢٥م.
بدايةً: ترامب لم يخرج من البيت الأبيض، بعد انتهاء فترة رئاسته الأولى دون قتال، بل بقتال عنيف، فيما يشبه القيام بمحاولة انقلابية عنيفة. ترامب، لم يعترف بهزيمته في انتخابات نوفمبر ٢٠٢٠م، بعد أن هزمه الديمقراطي (جو بايدن). لم يحضر ترامب، مراسيم تنصيب الأخير، كما جرت عادةً تسليم واستلام السلطة، مما أعتبرَ خرقٌ لبروتوكول وعرف لواحد من أهم طقوس الممارسة ديمقراطية الأمريكية، لم يسبقه فيه سوى رؤساء ثلاث (جون آدمز، جون كوينسي آدمز وأندرو جونسون، وهم الرؤساء: ٢، ٦ و١٧ في ترتيب رؤساء أمريكا)، لأسباب مختلفة، منذ إنشاء الجمهورية، قبل ٢٥ قرناً مضت. تكتيك سلوكي، ليس فقط نادرُ الحدوث، بل هو سلوك يصل لدرجة العقيدة السياسية يعتنقها ترامب، مسجلة باسمه كـ "ماركة سياسية". سابقة سلوكية لم يبتدعها في انتخابات الإعادة نوفمبر ٢٠٢٠م، فقط، بل سبق وأعلنها في انتخابات ٢٠١٦م، عندما تغلب على المرشحة الديمقراطية حينها هيلاري كلنتون. حينها قال: إنه لن يعترف بنتيجة تلك الانتخابات لو كان هو مَنْ خَسِرها!
في انتخابات نوفمبر ٢٠٢٠م، كرر تمسكه بهذا السلوك "الشاذ" في الممارسة الديمقراطية، بمحاولته البقاء في البيت الأبيض، بكل الوسائل حتى العنيفة، عندما حرض أنصاره على مهاجمة الكونجرس (السادس من يناير ٢٠٢١م)، الذي كان منعقداً للمصادقة على تقلد الرئيس الديمقراطي (جو بايدن) مقاليد الحكم. سابقة أخرى، عنيفة، لم تحدث من قبل في تاريخ الممارسة الديمقراطية الأمريكية.
❞ تستبعد واشنطن الصدام المباشر مع الصين بأدوات العنف التقليدية وغير التقليدية كما تستبعد أي مواجهة بأدوات القوة الناعمة لتتطور إلى حربٍ كونية شاملة ❝
التشكيك في نتيجة الانتخابات، من قبل أي مرشح لمنصب عام، بما فيها منصب رئاسة الجمهورية، سلوك سلبي قد يتطور للجوء للعنف، اتبعه ترامب، وهو حديث العهد بالممارسة الديمقراطية، مما يعكس ميوله السلطوية، التي ظهرت في فترته الرئاسية الأولى، وتفاقمت في فترة رئاسته الحالية.
حملة انتخابية طويلة استمرت لفترة رئاسية كاملة
ترامب، كما سبق، استمرت حملته الانتخابية لفترة رئاسته الثانية، مرتكزة على زعم أنه لم يخسر انتخابات نوفمبر ٢٠٢٠م، وأنه قد سُرقت منه نتيجة تلك الانتخابات، من قبل الديمقراطيين "الأشرار".. نتيجة الانتخابات، التي لم يعترف بها، وظل متمسكاً بموقفه السياسي هذا طوال فترة حكم سلفه، رغم عدم تصديق أحد لسرديته، ولم يكسب أي قضية من أكثر من ستين قضية طعناً في رئاسة خلفه، ومحاولات مُكلفة لإعادة عد أصوات ناخبين في ولايات زعم أن الديمقراطيون سرقوا نتيجتها، كلفت دافع الضرائب الأمريكي عشرات الملايين من الدولارات. من تلك الولايات: أريزونا، وجورجيا، ومينيسوتا.
هذا الزعم من أن "مظلومية" سياسية وقعت عليه بـ "تزوير" نتيجة الانتخابات ظل ترامب يرددها، طيلة أربع سنوات، ضمن قاعدته الانتخابية، وكوادر الحزب الجمهوري المؤيدة. زعمٌ يرتقي إلى "الكذبة" الكبرى، التي لتكرار ترديدها، كثر المتعاطفون معها، حتى صدقوها. قاعدة في "البروباغنداً"، كان أول من ابتدعها وزير هتلر للدعاية والإرشاد يوزف جوبلز (١٨٩٧ – ١٩٤٥م)، التي تقول: أكذب ثم أكذب استمراءً في الكذب، حتى يصدقك الناس. بترديد مظلومية سرقة الديمقراطيين لانتخابات ٢٠٢٠م، تمكن ترامب من توسيع دائرة مؤيديه ضمن قاعدة جمهور المنتمين للحزب الجمهوري، وسيطرة كاملة على نخب الحزب الجمهوري، في مؤسسات النظام السياسي الأمريكي الرسمية وغير الرسمية، الأمر الذي حقق له الفوز في انتخابات نوفمبر قبل الماضي، التي أرجعته للبيت الأبيض، لفترة رئاسية ثانية.
فترة انقطاع مليئة بالمشاكل والتحديات
الرئيس ترامب ووجه باتهامات النصب والتحايل والسلوك الشخصي غير الأخلاقي، اتهم الرئيس ترامب بـ ٣٤ قضية (جنائية) وجد فيها (جميعها) مذنباً من قبل هيئة محلفين محلية وفيدرالية، لو أصدر فيها قرارات بالعقوبة من قبل المحاكم الأمريكية، لكان ترامب اليوم، يحكم اليوم من السجن وليس من البيت البيض. المشكلة، في الممارسة الديمقراطية الأمريكية، أن الشخص لا يُحرم من حقوقه السياسية دستورياً، إلا إذا أُدين بحكم قضائي في جريمة سياسية يثبت ارتكابها للتآمر على نظام الحكم، بالتورط عملياً، في إحداث انقلاب سياسي، يقوض دعائم الديمقراطية. جريمة كان يُحضّر لها ضد الرئيس ترامب في فترة حكم جو بايدن، لكِنّ محامو الرئيس ترامب نجحوا في تأجيل نظر القضاء في هذه التهمة، بدعوى شبهتها السياسية، فيما يشبه الحصانة (القضائية) لمرشحي المناصب العامة، بالذات الكونجرس والرئاسة.
كل تلك التهم، التي أُدين بها ترامب جنائياً، التي قد تصل عقوبتها السجن لمئات السنين، لم تصدر أحكام قضائية للمباشرة في تنفيذها، لذا كان القرار بمستقبل ترامب السياسي منوط بالشعب الأمريكي، صاحب السيادة في اختيار من يحكمه. مظهر من مظاهر الممارسة الديمقراطية، قد يستغرب الكثيرون، عدم كفايته رغم بشاعة جرمه، من حرمان أحدٍ من حقوقه السياسية، بالذات سعيه لتقلد المناصب العامة. ليكون القرارُ في هذا الشأن راجعٌ للشعب الأمريكي.
التداعيات العالمية لعودة ترامب للبيت
الرئيس الأمريكي، أي رئيس أمريكي، هو رئيس للولايات المتحدة أولاً، وبالتالي هو أقوى رئيس دولة في العالم، ثانياً. يمتد نفوذ مؤسسة الرئاسة الأمريكية، ليس فقط وحصرياً داخل الولايات المتحدة، بل إلى العالم بأسره. لا نبالغ، إذا ما قلنا إن الرئيس الأمريكي، هو فعلياً حاكم النظام الدولي الأقوى، ليس كونه رئيساً لأقوى وأغنى وأعتى دولة عرفها التاريخ، فحسب، بل لأن الرئيس الأمريكي يمتلك (دستورياً) من موارد السلطة والنفوذ، بوصفه رئيساً للولايات المتحدة، ما تتعدى سلطاته ونفوذه مجال حكمه الحيوي المحلي، إلى التأثير على كل بقعة على ظهر البسيطة، بما في ذلك مصير سلام العالم وأمنه. أمريكا، إن صح التعبير، تحكم العالم وتتحكم في مسرح السياسة الدولية. تتحكم اقتصادياً بوصفها أكبر سوق تتداول من خلاله معظم السلع والخدمات استيراداً وتصديراً. عملة الولايات المتحدة (الدولار) هي العملة الوحيدة القابلة للتحويل منها وإليها لتمويل التجارة الدولية من السلع والخدمات وطرق حملها وتوصيلها عبر البحار، ولا تنافسها في هذه المكانة الاقتصادية الرفيعة، أي عملة أخرى.
عسكريًا: أمريكا القوة الضاربة الكبرى، بإمكانات تقليدية وغير تقليدية كاسحة، لا تقوى على مضاهاتها، أو مواجهتها، أي قوة دولية أخرى، مهما بلغت إمكاناتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية. بهذه القوة العسكرية الضاربة استطاعت واشنطن فرض هيمنتها على النظام الدولي.. وتعمل سلباً وإيجاباً، على استقرار النظام الدولي، وتحدد حصرياً مصير مستقبل سلام العالم وأمنه. تكنولوجياً وعلمياً: هي أول دول العالم تقدماً علمياً وتكنلوجياً في كافة العلوم الطبيعية والإنسانية. لهذا من البيت الأبيض، لا يحكم الرئيس الأمريكي بلاده فقط، بل يمتد نفوذه إلى العالم بأسره، بما فيهم حلفاء الولايات المتحدة وأعدائها وخصومها ومنافسيها على مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة، التي تتبوؤها، بصورة تكاد تكون حصرية.
باختصار: الرئيس الأمريكي، من أي مكان على الأرض أو في السماء أو في أعماق البحار والمحيطات، يمتلك من عناصر القوة المادية والسياسية، ما يمكنه من الإمساك بقبضة حديدية ماضية، يتحكم من خلاله على مؤسسات الحكم، رسمية وغير رسمية، داخل بلاده، وعلى مسرح السياسية الدولية.
أمريكا أولاً.. العودة للعزلة دولياً
الولايات المتحدة، فعلياً تمتلك من الموارد الطبيعية، ومتانة مؤسسات الحكم الديمقراطية، ما يجعلها على الأقل من الناحية النظرية، بناء مجتمع رفاه اجتماعي ونظام مستقر سياسيا وبنى تحتية وفوقية فاعلة وكفء، يمكنها من إشباع حاجات شعبها من السلع والخدمات، بصورة فعالة وكفء.
بعد الحرب العالمية الثانية، اتّبعت أمريكا سياسة مرنة لتحول بين العزلة والتداخلية في سياستها الخارجية، يعتمد ذلك على النخبة السياسية الحاكمة. الديمقراطيون يميلون لاتباع سياسة خارجية تداخلية، بينما الجمهوريون غالباً ما يتبعون سياسة خارجية تحكمها قوانين ومنطق العزلة. لكن، في وجدان الشعب الأمريكي، هناك ميل ملموس للعزلة، يظهر ذلك في شعارات العزلة، التي تظهر من آن لآخر، كما هو هذه الأيام في عهد ترامب من رفع شعار أمريكا أولاً. لكن تاريخيا ظهر ميل الشعب الأمريكي لأيدلوجية العزلة في الفترة ما بين الحربين، عندما رفض خطة الرئيس ودرو ويلسون في نقاطه الأربع عشر، التي وضعها لرسم خريطة طريق لعالم ما بعد الحرب العظمى، أملاً منه ألا تلد تلك الحرب حرباً كونية أخرى، الأمر الذي حدث بالفعل، باندلاع الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥م). أمريكا، عند اندلاع الحرب العالمية الثانية (سبتمبر ١٩٣٩م)، لم تدخل الحرب مباشرةً، لأن شعبها غير متحمسٍ للحرب، وإن كانت مؤسسات الحكم في واشنطن، تميل لمساندة الحلفاء الديمقراطيين في تلك الحرب، على الأنظمة الشمولية (دول المحور ألمانيا، إيطاليا واليابان)، فأكتفت بداية الحرب بإمداد دول الحلفاء بالمساندة السياسية والدعم اللوجستي والمدد العسكري ، ولم تدخل واشنطن الحرب رسمياً وفعلياً إلا بعد أن هُجمت مباشرة من اليابان، التي أرسلت أسطولها البحري لضرب قاعدة بحرية أمريكية في جزر هاواي فيما عرف بهجوم بيرل هاربر(٧ ديسمبر ١٩٤١م).
رغم من قوة تيار العزلة، إلا أن تيار التداخلية كان يفرض نفسه، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن جاء ترامب، ليرفع شعار أمريكا أولاً، ليظهر أقوى تيار للعزلة، في أمريكا منذ أن دُشن مبدأ العزلة الرئيس الخامس جيمس مونرو (١٧٥٨-١٨٣١م)، الذي صاغ ما عرف حينها بمذهب مونرو، الذي يتلخص في نقطتين أساسيتين، يشكلان لب نظرية العزلة، وهما: منع أي قوة دولية، من العالم القديم "يقصد أوروبا" الاقتراب من حمى الولايات المتحدة القومي في العالم الجديد، شماله وجنوبه. الثانية: جعل منطقة العالم الجديد محور حركة السياسة الخارجية الأمريكية، بما عرف بالحديقة الخلفية لأمريكا، وعدم التدخل أو التداخل في شؤون العالم القديم، المقصود هنا بالذات أوروبا.
صياغة جديدة للأمن القومي الأمريكي
صدر بداية ديسمبر (٢٠٢٥م) من البيت الأبيض ما عُرف باستراتيجية جديدة لإدارة الرئيس ترامب للأمن القومي الأمريكي، تأخذ بمبدأ العزلة الدولية، في حلّة جديدة، امتداداً لشعار أمريكا أولاً، من أجل أن تستعيد أمريكا عظمتها الكونية، مجدداً. هذه العزلة الجديدة، ليست كسابقتها التقليدية سلبية، لكنها عزلة توسعية مهيمنة على النظام الدولي، تطال الحلفاء والأصدقاء، وإعادة ترتيب المنافسين والخصوم والأعداء، من أجل تحقيق السيادة الكونية، بجعل مصالح أمريكا الخارجية هي البوصلة الأساسية، لتحقيق شعار أمريكا أولاً، في مجال مسرح السياسة الدولية.
بدأ ترامب ولايته الثانية بالتنكر لمصالح حلفاء بلاده الإقليميين الأقربين، قبل أن ينتقل بشراسة لمواجهة حلفائه الخارجيين الأبعدين. دعا ترامب لضم جارته الشمالية كندا، لتكون الولاية الواحدة والخمسين في التاج الأمريكي الجديد، إذا ما صح التعبير. كما دعا لبناء جدار فاصل بين البر الأمريكي، وجيرانه الجنوبيين، في الأمريكيتين الوسطى والجنوبية، بحجة مواجهة الهجرة غير المشروعة وتهريب المخدرات، مع بناء جدار صلب حول حمى الولايات في العالم، ممنوع الاقتراب منه من قبل أعداء أمريكا الجدد، الصين بالذات. استعانت واشنطن في هذا الصدد باستراتيجية قديمة استخدمتها بريطانيا في أوج مجدها الاستعماري (دبلوماسية الزوارق الحربية). وهذا ما تفعله أمريكا الآن، ضمن نشاطها البحري الهجومي في البحر الكاريبي، بالتهديد بغزو فنزويلا، بحجة وقف تجارة المخدرات، المستهدفة بها أمريكا.
واشنطن وفقاً لاستراتيجية إدارة ترامب الجديدة، تعيد استراتيجية العزلة عبر المحيطين الأطلسي والهادي، بإعادة ترتيب حلفائها وخصومها في العالم القديم. لم تعد أمريكا ترى في روسيا عدواً لها، كما كان الأمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. بالتبعية: لم تعد واشنطن تربط أمنها القومي بأمن أوروبا، كما تطور الأمر بعد الحرب الكونية الثانية. لذا واشنطن، وفقاً للاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، لم تعد ترى في الدفاع عن الديمقراطيات القديمة في أوروبا كحليف استراتيجي لها، وبالتبعية: لم تعد واشنطن ترى أوروبا على أنها منطقة عزل أمني في مواجهة العدو المشترك القابع في عرينه، شرق أوروبا، وشرق الباسفيك (روسيا الاتحادية). لذا لم يعد هناك مبرر لالتزام أمريكي بأمن حلفائها التقليديين في غرب أوروبا، فتكلفته الباهظة وعدم جدواه الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي.. ولم يعد هناك، بالتالي: حاجة للاحتفاظ بمعاهدة حلف (النِاتو)، التي حددت واشنطن الانسحاب منها، بنهاية ٢٠٢٧م.
هناك خصمٌ جديدٌ ومنافسٌ قويٌ يطمع في أن يكون له نصيب في مكانة الهيمنة الكونية الجديدة، على أمريكا أن تتنبه له وأن تُعيره من الانتباه والحذر، بما هو جديرٌ به. هذا الخصم والمنافس الاستراتيجي، الذي لم يعد يخفي أطماعه التوسعية في موارد النظام الدولي الجديد، هو (الصين). إدارة ترامب تنظر إلى الصين على أنها منافسٌ جديٌ على مكانة الهيمنة الكونية، لكنها لم تصل بعد لتكون نداً، قد تتطور المنافسة بينهما، إلى نشوب حرب كونية بينهما، كفصلٍ نهائي لتحديد الطرف المهيمن الجديد للنظام الدولي.
إدارة ترامب، لا ترى: على الأقل الصين عدواً، كما كانت تنظر إلى الاتحاد السوفيتي، كونه عدو وجودي للمعسكر الغربي، معادلة الصراع معه تقوم على أسس وقواعد اللعبة الصفرية. بل حتى أن واشنطن، وفقاً للاستراتيجية الأمنية الجديدة، تستبعد الصدام المباشر مع الصين، بوسائل وأدوات العنف التقليدية وغير التقليدية، كما تستبعد أي مواجهة، بأدوات القوة الناعمة بينهما، لتتطور إلى حربٍ كونية شاملة. واشنطن ترى في الصين منافساً شرساً على مكانة الهيمنة الكونية الرفيعة، نعم.. وترى في الصين قوى عظمى صاعدة على مسرح السياسة الدولية، تعم.. وترى في بكين، إرادة سياسية في لعب أدوار نشطة على مسرح السياسة الدولية، تعكس بها رغبة استراتيجية توسعية وطموحة، لتكون رقماً لا يمكن تجاهله في أي نظام دولي قادم، من خلال النظر لمصالحها القومية في موارد النظام الدولي الغنية، أيضاً نعم… لكن، في نهاية الأمر لا ترى واشنطن في الصين قوة عظمى، جديرة بالمنافسة الفعالة والكفوء التي توصلها التفكير في تحدي الولايات المتحدة، والجرأة على مواجهتها استراتيجيا، في حرب كونية شاملة.
باختصار: تحقيق شعار أمريكا أولاً، لاستعادة عظمة أمريكا الكونية، داخلياً وخارجياً، هو الضمانة الوحيدة، في نظر ترامب، لتسيد العهد الأمريكي الجديد، ولنقل: "الرايخ الأمريكي" الجديد، على النظام الدولي. دون ما حاجة، بالضرورة، لخوض كونية، للحفاظ على عظمة الولايات المتحدة المستعادة.
خاتمة
ترامب، يرى أن هناك عدوان رئيسان، يحولان دون استعادة عظمة أمريكا. الأول: داخلي.. والثاني: خارجي. وهو يرى أن العدو الداخلي (الحقيقي)، أخطر من العدو الخارجي (المحتمل). الانتصار في معركة الداخل (الحقيقية)، تكفي لحسم معركة الخارج (المحتملة). بل أن الانتصار في المعركة الأولى، يجعل من إمكانية خوض الثانية، احتمالاً بعيداً، وبعيداً جداً.
نظرة شمولية، متطرفة في سلطويتها، تهدد الكيان الداخلي لأمريكا، قبل النظر إليها على أنها استراتيجية تهدد استقرار النظام الدولي وأمنه وسلامه.
ما لم تتمكن الممارسة الديمقراطية، بشكلها الأمريكي الحديث نسبياً، الدفاع عن الديمقراطية، داخل أمريكا، فإن خطر التحولات التي يعمل ترامب، إحداثها في مؤسسات الحكم في واشنطن، ونظام الحريات، التي تقوم عليه، قيم وحركة النظام السياسي الأمريكي، بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية، فإن أي إخلال داخلي باستقرار أمريكا، سيمتد بالضرورة، على استقرار النظام الدولي، وبالتبعية: أمن وسلام العالم.
عودة ترامب للبيت الأبيض، للمرة الثانية، التي قد لا تكون الأخيرة، هي بلا شك: الحدث الأهم، الذي أُُنهي به العام قبل الماضي (٢٠٢٤م)، ودُشن به العام الماضي (٢٠٢٥م).






