لا شك أن الحديث عن حصيلة السنة من إنجازات بالنسبة للدول يرتبط بشكل كبير بما عرفته هذه الكيانات من تحولات إيجابية ونجاحات تعبر بالأرقام عن الانتقال من وضع إلى وضع أحسن وانعكاس هذا الأمر على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية لهذه البلدان. بالتأكيد إن حصول الإجماع بخصوص التحول والتطور الذي تشهده الديناميات الداخلية بالتساوق مع البيئة الخارجية، يفسر درجة الرضا والإجماع الداخلي حول طبيعة أداء الحكومات وتنفيذ السياسات العمومية التي تستهدف الرفع من معدلات التنمية والرفع من الناتج الداخلي الإجمالي والانتقال من مفهوم الدولة الدائنة إلى مفهوم الدولة المنتجة في العديد من القطاعات.
وفقا لهذا التصور حققت المملكة المغربية خلال السنة الجارية العديد من الإنجازات الهامة، و إن كانت قد عرفت احتجاجات اجتماعية قادتها مجموعة الشباب خلال شهر سبتمبر 2025م، و يتعلق الأمر بمجموعات لامركزية مجهولة الهوية تُعرف باسم "جيل زد 212" و«صوت شباب المغرب»، وقد طالبت هذه الاحتجاجات بتحسين الأوضاع في مجالي التعليم العمومي والرعاية الصحية، وانتقدت في الوقت نفسه الأداء السيئ للحكومة وسوء تدبير الإنفاق العمومي في مشاريع كبرى تهم ملاعب كرة القدم دون إعطاء نفس الاهتمام للقطاعات الحيوية كالتعليم و الصحة.
خفت صوت الاحتجاجات في مقابل تمكن المغرب من تحقيق نجاح منقطع النظير فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث استصدر مجلس الأمن الدولي قرار 2797 الذي يعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي، الأرضية الوحيدة التي يمكن التفاوض بشأنها لتحقيق حل عادل وشامل لقضية الصحراء المغربية، كما حققت المنتخبات المغربية لكرة القدم نجاحات كبيرة أهمها فوز منتخب أقل من 20 سنة بكأس العالم للشباب الذي نظمته دولة الشيلي. هذا الأمر يطرح تساؤلات عدة حول نجاح المغرب خارجيًا للتسويق لبلد مستقر وناجح في قطاعات رمزية تشير إلى المصادر اللامادية للقوة كالسمعة الدولية والثقة والمصداقية في الشراكات الدولية، في حين تظل المنطقة الرمادية تكمن في استمرار العديد من المعضلات الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها البطالة وضعف أداء قطاعات الرعاية الاجتماعية وسوء أداء الحكامة المركزية والمحلية.
أولًا: دينامية سياسية ودبلوماسية وأمنية فارقة
على الصعيد الدبلوماسي، نجح المغرب في تعزيز حضوره على الساحة الدولية، وتحقيق تقدم ملموس في تعزيز العلاقات مع الدول الكبرى والمنظمات الدولية، كما واصل وضع قضية الصحراء المغربية على رأس أولوياته الدبلوماسية، وتمكن من حشد دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتعزيز حضوره الدبلوماسي في إفريقيا، وتصدر شمال إفريقيا في مؤشر الدبلوماسية الدولية.
كما أن هذه السنة تميزت باستمرار أداء جيد للسلطات الأمنية المغربية في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهذا ما جعل المغرب في صدارة التعاون الأمني الدولي بعد توقيف 17 أجنبياً مبحوثاً عنهم عالمياً ويشكلون موضوع نشرات حمراء وأوامر دولية بإلقاء القبض، صادرة عن أجهزة قضائية أوروبية وعربية. كما احتضن المغرب العديد من اللقاءات الأمنية الدولية وفي مقدمتها احتضان مدينة مراكش للدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) خلال الفترة من 24 إلى 27 نوفمبر 2025م. يُعدّ هذا الحدث بمثابة اعتراف دولي بالدور المحوري الذي تلعبه المملكة في منظومة الأمن العالمية. وقد شارك فيه كبار قادة الأمن من 179 دولة عضو، لمناقشة تعزيز التعاون الأمني الدولي ومكافحة الجريمة المنظمة.
لكن تظل أبرز محطات هذه السنة والتي تعتبر تتويجًا لمسار خمسون سنة من نزاع الصحراء المغربية، اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار 2797 الذي يؤكد أن مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد القابل للتطبيق للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع، وهو ما يعتبر تحولاً مهماً في مقاربة المجتمع الدولي للقضية. وقد نجح المغرب في ترسيخ هذا الموقف من خلال الجهود الدبلوماسية المستمرة والمكثفة بقيادة الملك محمد السادس، حيث أثمرت الدبلوماسية المغربية عن زيادة في عدد القنصليات التي فتحتها دول مختلفة في مدينتي العيون والداخلة، واستمر المغرب في تعزيز حضوره المؤثر في القارة الإفريقية، بما في ذلك تعزيز وجوده داخل منظمة الاتحاد الإفريقي.
وتصدر المغرب منطقة شمال إفريقيا في مؤشر الدبلوماسية الدولية لعام 2025م، كما احتل المرتبة 32 عالمياً في نفس المؤشر، مما يعكس فعالية سياسته الخارجية وقوة تأثيره الدولي وواصل المغرب توقيع مئات الاتفاقيات مع دول القارة الإفريقية، كما عمل على تأسيس إطار للتعاون بين الدول المطلة على الواجهة الأطلسية.
ثانيًا: الاقتصاد الوطني في خدمة العدالة المجالية
لا شك أن رد فعل المؤسسة الملكية عن الاحتجاجات الاجتماعية للشباب، والتي تعتبر مطالب عادلة ومشروعة، جاءت سريعًا من خلال التوجيهات التي أطلقها العاهل المغربي، حيث أشار في الخطاب الملكي، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأخيرة من الولاية الحكومية الحالية أمام البرلمان المغربي بمجلسيه، إلى ضرورة إحداث نقلة نوعية حقيقية، للتأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية و"الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية، إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة". وهذا لكي تشمل التنمية كل المواطنين في جميع المناطق والجهات دون أي تمييز مجالي أو جغرافي. ويفهم من هذا التوجيه الملكي عدم الرضا عن النهج الحكومي وعن الأداء البطيء للمؤسسة التنفيذية، حيث طالبها باعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية".
على الرغم من ذلك، حققت المملكة المغربية في عام 2025 م، إنجازات اقتصادية ملحوظة، أبرزها تحقيق نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي وصل إلى 5.5 %في الربع الثاني من السنة الجارية، وتأمين المركز الخامس كأكبر اقتصاد في إفريقيا. كما تعزز النمو بفضل انتعاش الصادرات والطلب المحلي القوي، بالإضافة إلى تحسن أداء قطاعات الصناعات التحويلية، البناء، والاستخراج. كما تواصل المملكة استقطاب الاستثمارات الأجنبية بفضل موقعها الاستراتيجي والبنية التحتية المتطورة، مع ترقب تأثير إيجابي لاستضافة المغرب لكأس إفريقيا في نهاية شهر ديسمبر من السنة الجارية وكأس العالم 2030م.
رسّخ المغرب مكانته ضمن أكبر خمس اقتصادات في إفريقيا، متجاوزًا دولاً تعتمد على الثروات المعدنية والباطنية، بفضل تنويع اقتصاده. وقد ساهمت عدة عوامل في تعزيز النمو، بما في ذلك: انتعاش الصادرات حيث سجلت نموًا قويًا بنسبة (8.5%) وتعافي الطلب المحلي حيث ارتفعت نفقات الاستهلاك بنسبة (5.1%) بفضل تحسن مؤشر ثقة الأسر وانتعاش الاستثمار واستقراره في مسار تصاعدي، بدعم من عوامل مالية مناسبة وتراجع أسعار استيراد سلع التجهيز.
من جهة أخرى، حققت قطاعات إنتاجية حيوية أداءً جيدًا، مثل الصناعات التحويلية والاستخراجية والبناء وساهمت هذه القطاعات بنحو (40 %) من النمو الاقتصادي الإجمالي. كما شهد قطاع الصناعات الكيماوية نموًا بنسبة (6.6%) مدعومًا بالطلب الخارجي القوي على مشتقات الفوسفات وواصلت المملكة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بفضل موقعها الاستراتيجي وبيئتها الجاذبة للأعمال، بالإضافة إلى الاستثمارات في البنية التحتية استعدادًا لكأس العالم 2030.
ثالثًا: تحسين مستوى المعيشة رهانات صعبة تحتاج إلى برامج ناجزة
وفي الجانب الاجتماعي، سعت المملكة المغربية إلى تحسين مستوى عيش المواطنين المغاربة من خلال العديد من الإصلاحات. وقد أطلقت العديد من المبادرات أهمها مبادرات لتحسين التعليم مثل مبادرة مدارس الريادة لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية. وتم دعم الفئات الضعيفة من خلال برامج مالية مثل “تيسير” التي تدعم الأسر الفقيرة في التعليم، وتخصيص المشاريع التي تعزز حقوق المرأة والشباب، دون الحديث عن استمرار ورش التغطية الصحية لجميع المغاربة والدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة.
ويبدو أن النمو الاقتصادي للمغرب في عام 2025م، لم ينعكس بشكل إيجابي وكامل على النسيج الاجتماعي المغربي، حيث يتزامن مع احتقان اجتماعي وتزايد في المطالب بتحسين مستوى المعيشة، خاصة من قبل الشباب، على الرغم من تحسن مؤشرات النمو الاقتصادي مثل تراجع البطالة في بداية العام وارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي. ويرى العديد من الخبراء والمهتمين أن فوائد النمو الاقتصادي تتركز في طبقة اجتماعية معينة، بينما لا يزال المواطنون البسطاء يعانون من الفقر وغلاء المعيشة وارتفاع البطالة.
رابعًا: الريادة الرياضية: دبلوماسية مغربية ناعمة
لقد أصبح الجانب الجيوسياسي للسياسة الرياضية المغربية أكثر بروزًا في المرحلة الحالية وخاصة خلال سنة 2025م. فبعد عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017م، بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود، اتبع المغرب استراتيجية محكمة على أساس التغيير وارتكزت دبلوماسيته الكروية على بناء علاقات قوية مع الدول الإفريقية الناطقة بالإنجليزية التي غالبًا ما كانت تتعاطف مع المحور الجنوب إفريقي وأصبحت شراكات الجامعة المغربية لكرة القدم تتجاوز الأبعاد الرياضية لتدعم أهدافًا أوسع، مثل موقف المغرب من قضية الصحراء عبر إحداث تغييرات كبيرة في قواعد الاتحاد الإفريقي.
لقد رسخ المغرب لنفسه دورًا واضحًا في هذ المجال الكروي، لكن يبقى السؤال حول مدى استدامته؛ ففي كرة القدم جعل نجاح المنتخب الوطني المغرب قائدًا لكرة القدم الإفريقية والعربية، ما يمنحه قوة ناعمة لا يستهان بها. وخارج الملاعب يحول المغرب هذا النجاح إلى موقع كشريك في مجالات الرياضة والبنية التحتية في إفريقيا، حيث تستضيف أكاديمية محمد السادس تدريبات للرياضيين الأفارقة، وتعمل كأداة للدبلوماسية الرياضية تدعم التحركات السياسية والاقتصادية في القارة. ولا شك أن احتضان المغرب لكأس العالم سوف يكون نقطة فاصلة في تاريخ المغرب إذا ما تم استثمار هذه المحطة الرياضية العالمية، حيث سيتحول المغرب إلى قبلة العالم رياضيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
إن استضافة المغرب المشتركة لكأس العالم 2030م، مع إسبانيا والبرتغال تعد شراكة فريدة بين قارتين، قد يغير طريقة إدارة الأحداث الكبرى، ويربط بين إفريقيا وأوروبا، والشمال والجنوب، ونجاح هذا التنظيم سيجعل من المغرب نموذجًا مرجعيًا للألعاب الأولمبية وكؤوس العالم المستقبلية، حيث يوزع التكاليف والفوائد ويقلل المخاطر للمضيف الواحد. لكن التركيز على كرة القدم رغم المكاسب التي تحققها يتطلب الحذر، إذ يحتاج المغرب إلى مراعاة المشاكل التي واجهها مستضيفو كأس العالم والألعاب الأولمبية سابقًا، إذ يمكن أن تتحول الملاعب الكبيرة إلى أعباء مالية إذا لم تكن هناك خطط واضحة لما بعد الحدث، فتكلفة البناء تمثل فقط ما بين 20 و30 % من إجمالي النفقات على المدى الطويل، بينما تشغيلها وصيانتها واستخدامها هو ما يحدد مدى فائدتها للمجتمع أو استنزافها للموارد.
خامسًا: آفاق واعدة ونجاحات مشروطة
يواجه المغرب تحدياتٍ ناجمة عن ندرة المياه، والاعتماد على الطاقة، والنزاعات الإقليمية، ولكنه يتمتع بإمكانات نمو كبيرة بفضل موقعه الجغرافي المتميز واقتصاده المتنوع، الذي يتميز بنقاط قوة في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة. وهذا ما يدفع إلى التوقع بمستقبل واعد للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي من شأنها تعزيز المسار التنموي للمغرب وتوجيهه نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
من المرجح أن يتواصل التطور السياسي والاقتصادي للمغرب خلال السنوات المقبلة من خلال التركيز المزدوج على استمرار النمو الاقتصادي من خلال البنية التحتية والطاقة المتجددة، مما يضع المغرب في موقع ريادي في التنمية المتوافقة مع تغير المناخ، ويخفف من تأثره بصدمات أسعار الوقود الأحفوري، إلى جانب الإصلاحات الهيكلية الهامة لتعزيز الإنتاجية وخلق فرص العمل.
وتكمن التحديات الأساسية للمسار التنموي المغربي في الاعتماد على عوامل خارجية مثل أسعار الطاقة والمناخ، وسيظل الاقتصاد المغربي عرضة لعدم اليقين الاقتصادي العالمي، والتوترات التجارية، وتأثيرات أسعار الطاقة وتقلبات المناخ.
إلا أن نقاط قوة المغرب، تكمن في موقعه الاستراتيجي، والاستثمار في المبادرات الخضراء، والإصلاحات المالية والإصرار على محاربة الفساد واقتصاد الريع. وستكون المحركات السياسية الرئيسية هي التنفيذ الناجح لخطط التحديث والإصلاحات الرامية إلى تعزيز الإدارة العامة والنمو الاقتصادي والاجتماعي الشامل.
يُعد التزام الحكومة بتحديث الإدارة العامة من خلال الرقمنة وتحسين إدارة المالية العامة محورًا سياسيًا رئيسيًا، كما سيكون نجاح خطط التنمية الجديدة، على غرار خطة تنمية أقاليم الأطلس الكبير التي تضررت من جراء الزلزال الأخير، أمرًا بالغ الأهمية لتعزيز النمو المتكامل وتعزيز خطط الاقتصاد التضامني والمجالي. وستظل شراكات المغرب الاستراتيجية ودوره في تحقيق الأمن الإقليمي ومراقبة طرق التجارة الدولية عوامل مهمة لمواصلة مساراته التنموية المستقبلية، مع احتمالية أن تُشكل الاضطرابات الناجمة عن قضايا الأمن البحري العالمي بعض التهديدات المحتملة التي يجب أخذها بعين الاعتبار.
خاتمة
إن نجاح المغرب في تحقيق معدلات نمو جيدة و تحسين الأوضاع السياسية و الاقتصادية خلال سنة 2025م، يكشف عن مدى الارتباط و التجانس بين المؤسسة الملكية و الشعب المغربي، ذلك أن المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، لا تمنع من انخراط فئات عريضة من الشعب في مظاهر الفرح حينما يتعلق الأمر بأي استحقاق يحققه المغرب، كما هو الشأن بالنسبة للقرار الأممي الأخير 2797 الذي شكل ثورة حقيقية لقرارات مجلس الأمن الدولي بإشارته الواضحة إلى مبادرة الحكم الذاتي كأرضية للحل تحت السيادة المغربية، و كذلك الأمر بحدث الفوز بكأس العالم للشباب، و هذا ما يفسر حقيقة عراقة وأصالة البنيات التاريخية والسياسية للمملكة المغربية في تماهي تام مع مواطنيها.
كما أن استمرار النهج المغربي العقلاني في تبني دبلوماسية ناعمة وتعزيز الشراكات على المستوى العربي والإسلامي والإفريقي والدولي ودعم العلاقات جنوب-جنوب، قد تسهم أولاً: في نجاح المقاربات الأمنية للمغرب باعتباره فاعلاً إقليميًا متميزًا يساهم في حل النزاعات في القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط، وثانيًا: تسهم بالضرورة في ارتفاع منسوب الاستثمار في المملكة المغربية وخلق فرص اقتصادية سانحة ثالثًا: ضرورة تبني استراتيجيات تشجع على الإنتاج وخلق مصادر الدخل والثروة والتقليل من المديونية والتبعية الاقتصادية.






