لم يكن مؤتمر مقر الأمم المتحدة في نيويورك، الذي بادرت إليه المملكة العربية السعودية بالشراكة مع فرنسا، لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس حل الدولتين، إلا حصادًا تراكميًا لجهد دؤوب حاكته الدبلوماسية السعودية بحصافة، وطرزته بإبرة ناعمة، قطبة، قطبة، بدءًا من اجتماعات الرياض والقاهرة، ثم المؤتمر الإسلامي في الرياض، وصولًا إلى نيويورك.
أنجزت الدبلوماسية السعودية والعربية بذلك نسج بساط من التحالفات الفردية والجماعية توجت، رغم كل الصعوبات والمناورات، بتحقيق انخراط أوروبا وعلى رأسها فرنسا لتصبح شريكًا عضويًا في عملية عزل قوى التطرف، واستعادة شيء من مرجعية الشرعية الدولية وبناء نظام، بل نظام عالمي جديد.
فلقد تخادمت قوى الحرب والإبادة، ومنطق العصبية الغريزية لدفع الإقليم من جديد نحو حضيض جديد من التفكك، وتأبيد الصراع.
بل استمرأت حكومة نتانياهو دماء ضحايا مواطنيها حتى الدرك الأسفل في سعيها المنقوص لجعل الكارثة الغزاوية، فرصة تاريخية تكرس نهائيًا تَسَيُّدَها الإقليمي على أسنة الحراب. وإذ يقول نتانياهو إن على إسرائيل أن تعيش على أسنة الحراب، وإذ يحلم بإسرائيل الكبرى، فإنه يعني أنه لا يفهم سمة العصر، وأنه ببساطة وفي نهاية المطاف، لا يريد أي سلام، مع أي كان في الإقليم.
في مواجهة منطق الحرب المنفلت، جابهت الدبلوماسية السعودية واحدًا من أكبر التحديات!
كيف يمكن مجابهة منطق الحرب والإبادة والقتل والوقوف في وجه هذا الهياج الدامي الهادف لتدمير منجزات الاستقرار التنموي والحضاري في المملكة والإقليم؟ وكيف يمكن نقل الصراع بعيدًا عن الانفلات الدامي نحو ساحة المعارك الدبلوماسية والشرعية الدولية.
فأمام تداعي النظام العالمي والقانون الدولي، وأمام مخاطر عودة العالم لما يشبه بحقبة الإمبرياليات الكبرى، حيث تتقاسم الامبراطوريات مصائر العالم وحقوق الدول والبشر ومصالحهم، تضافرت هذه النقلة السعودية مع جهود المجتمع الدولي بأسره الهادفة للتمسك بالحد الأدنى من قيم السلام والتعايش ومبادئ الشرعية الدولية.
بإطلاق هذه المبادرة، أمكن نسج تحالف مع أوروبا ومن خلفها قوى دولية عديدة، لصياغة قواعد تستهدف ترويض وإغلاق إحدى أكثر الصراعات استعصاء في التاريخ الحديث، وتحويلها لعملية سلام منظمة.
على عكس المبادرات السابقة، يتضمن إعلان نيويورك آليات عملية للإنقاذ، واستراتيجيات متسلسلة، وضمانات دولية تعالج بشكل مباشر الإخفاقات التاريخية.
فمن خلال واحدة من اعقد عمليات الدبلوماسية المعاصرة، تمت صياغة آلية جدية لحل النزاع، تذكرنا بالآليات الدبلوماسية التي ولدت السلام الأوروبي الممتد لــ 99 عامًا، بعد الحروب النابوليونية، من تاليران إلى مترنيخ وبسمارك.
فلقد تشاركت المملكة مع فرنسا في صياغة مبادئ عملية جديدة للسلام في الشرق الأوسط. وتؤطر هذه العملية لوساطة دبلوماسية لحل الصراع تدمج دور وثقل الدول والمؤسسات والقوى متعددة الأطراف والمنظمات الإقليمية، على مسارات متعددة.
تستند هذه العملية إلى نظرية "نضج الصراع"، -(زارتمان) - بما يسمح بالاستفادة من الاستعصاء الراهن الذي يقحم الطرفين في طريق عبثي مسدود، ويضعهما في دوامة من العنف المستدام. تأخذ هندسة المبادرة الدبلوماسية بعين الاعتبار مهمة واستراتيجيات "إدارة المفسدين" المحتملين من كل الأطراف، والتمييز بين المفسدين الكليين وبين الجشعين والطامعين المحدودين.
تطرح الخطة برنامجًا مرحليًا لـ (15 شهرًا) مدعمًا بقدرات عملية ملموسة لإنفاذ الاستقرار، بحيث يمكنها أن تخلق الهيكل الأكثر قابلية للتطبيق لحل النزاع منذ أوسلو. فلطالما أفسد التخادم بين قوى التطرف في الإقليم كل مبادرات السلام. كما لعب الخلل الجوهري في توازن القوى دورًا حاسمًا في إفشال كافة المبادرات السابقة. واذ تسيطر إسرائيل على الأراضي والموارد، يفتقر الفلسطينيون إلى أدنى الموارد والنفوذ. ولطالما اعتمدت الاتفاقيات السابقة على حسن النية، بغياب ضامن خارجي. وساهمت القوى المتطرفة والعقائدية والجماعات المسلحة على جانبي الصراع، مرارًا وتكراراً، في تقويض آمال السلام. إضافة لذلك أدت التحولات الإقليمية والدولية العميقة إلى تغيير أولويات المخاطر والفرص لدى اللاعبين الأساسيين، الأمر الذي غير بدوره، قواعد الالتزام بين الفرقاء، وأدى لإعطاء الفرصة لمفسدي السلام لتفكيك الاتفاقات.
وبسبب المخاطر من أن يعزز الصراع في الشرق الأوسط انزلاق الوضع الدولي نحو حالة من الفوضى والحرب المنفلتة، كانت الرئاسة المشتركة بين المملكة وفرنسا تعبيرًا عن رغبة كبيرة لأوروبا وقوى دولية عديدة أخرى، للانخراط في هذه المبادرة السعودية.
كما سمحت إدانة جامعة الدول العربية لأحداث السابع من أكتوبر وتأييد الجامعة العربية لنزع سلاح المقاتلين في غزة، بجسر الهوة الجدية في مواقف القوى الدولية والمواقف العربية والفلسطينية. ويتضمن الإعلان دورًا هامًا لبعثة الأمم المتحدة من أجل تحقيق الاستقرار، كما يضع خطة مرحلية مدتها 15 شهراً، على أسس، وقواعدَ، واضحةً للمساءلة، والتسلسل.
يشكل دور المملكة العربية السعودية ضمانة حاسمة لمجابهة احتمالات التحولات في المواقف الدولية بعيدًا عن الاهتمام بالصراع، بل يسمح بمقاومة ظاهرة التعب في التنفيذ التي عادة ما تعتري العمليات الدبلوماسية المعقدة.
تهدف المبادرة من حيث الأساس للضغط على إسرائيل، الطرف الأساسي من أجل ضمان مناخ من الأمن والاستقرار وفرض التزامها بأسس الشرعية الدولية في زمن يتمزق فيه المجتمع الإسرائيلي بشكل يطرح أسئلة جدية حول مصير قوى السلام في المجتمع في مواجهة التشرذم الداخلي ومعارضة المستوطنين وتكاليف انهيار مصداقية القيادات السياسية الديماغوجية.
لا شك أن أحد أهم مؤشرات الالتزام الإسرائيلي هو تجميد المستوطنات (تصاريح البناء والميزانيات)، وإطلاق سراح المعتقلين، واتخاذ خطوات قانونية ضد عنف المستوطنين.
فقد قدم تطمينات أمنية لإسرائيل من جهة، مع التأكيد على الحقوق السياسية الفلسطينية. ودعا الاقتراح إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، مصحوبة بدعوة عربية لنزع سلاح حماس وإبعادها عن حكم غزة.
تنظر القيادة السعودية بشكل متزايد إلى السلطة الفلسطينية على أنها البديل العملي الإداري الوحيد القابل للتطبيق، الأمر الذي يتطلب إعادة هيكلتها وتنشيطها.
إذ تعاني السلطة الفلسطينية، من ضعف مدقع في المؤسسات، وانشقاق القوى الفلسطينية وتدني الثقة الشعبية في كفاءة الإدارة والحكومة الفلسطينية الواهنة وقدرتها على منافسة قوى التطرف، سواء من الناحية السياسية أو مجابهتها على الأرض. في حين تشكل هذه السلطة الفلسطينية الحلقة الأضعف والفاعل المعول عليه من أجل إنجاح الحكم الانتقالي وحل الدولتين واستعادة الشرعية على طريق السيادة.
من وجهة التوازنات الدولية، تضيف فرنسا، دورًا نوعيًا كوسيط غربي، وهي تجلب معها وزنًا نوعيًا إضافيًا، مستخدمة سمعة ونفوذ الاتحاد الأوروبي، بما يوفر مزيدًا من التوازن في مجابهة الانحياز والاضطراب العميق في السياسة الأمريكية. كما يعزز انخراط الشريك الفرنسي في تأمين ضمانات دولية للشرعية المتعددة الأطراف، والهياكل الأساسية لحفظ السلام، ويقطع الطريق على اتهامات التحيز.
ويعزز الانخراط المباشر لدول الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع الداعمين الإضافيين للمبادرة، تعزيزًا للضمانة السياسية والدبلوماسية، القائمة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية والسير قدمًا في طريق حل الدولتين كما يوفر روافع مالية ودعمًا لاستقرار موقف الدول الأوروبية.
كما يساهم انخراط جامعة الدول العربية، بالتوافق مع القيادة الخليجية، كعامل تثبيت للتوافقات الدولية وضابطا في مواجهة القوى التي تعمل على إفساد عملية استدامة السلام.
عناصر المبادرة السعودية
نظرية نضج الصراع:
توفر المبادرة السعودية الفرنسية مثالًا عمليًا على نظرية النضج لـ "زارتمان". يلحق جمود الصراع إصراراً كبيراً من كلا الطرفين في استمرار الصراع العبثي. وتشكل تكاليف حرب غزة، وافتقاد إسرائيل لأي نصر حاسم يغير ملامح اللوحة السياسة للصراع، وتداعي سمعة إسرائيل حتى تكاد تصبح دولة ناشز في المجتمع الدولي، والضغوط الاقتصادية على إسرائيل، والمعاناة الفلسطينية، ضغوطًا إضافية من أجل الانخراط في المبادرة السعودية الفرنسية.
فرصة للوساطة: تعيد الشراكة الفرنسية السعودية صياغة المشكلة على أنها جاهزة للتدخل.
إدارة المفسد (ستيدمان):
حيث تعالج المبادرة مباشرة المفسدين الكاملين الذين يخسرون كل شيء من حل النزاع. (القوى العقائدية والزعماء السياسيين). كما أنه يعالج شكل المفسدين الطامعين المتمثلين بالمستوطنين والمتطرفين الذين يتعرضون لضغوط من خلال الحوافز وقوة الاعتراف الدولي.
تعديل عدم هوة القوة:
يزيد الاعتراف بفلسطين المرتبط بالتكامل الإقليمي من القدرة التفاوضية الفلسطينية. كما أن الضغوط التي يفترض أن تمارسها المبادرة على إسرائيل تشكل رافعة لتخفيف رغبة القوى المتطرفة في إعادة لغم الاتفاقات.
ويفترض في هذا السياق أن يتم تعزيز دبلوماسية المسار الأول التي تقوم على مفاوضات رسمية من خلال فرنسا والمملكة العربية السعودية والأمم المتحدة، عبر دبلوماسية المسار الثاني، الذي تتولاه مجموعات العمل والمنظمات غير الحكومية ومراكز الفكر التي تغذي تصميم السياسات.
آليات وأدوات تحويل الصراع
- وقف إطلاق النار: تركز المبادرة أولا على نزع سلاح حماس وتسليمه للسلطة الفلسطينية. وفرض وقف إطلاق النار.
- الإدارة الانتقالية: تحكم السلطة الفلسطينية غزة تحت إشراف دولي.
- بعثة تحقيق الاستقرار الدولية: القوة المكلفة من قبل الأمم المتحدة تضمن الامتثال.
- بناء الدولة على مراحل: خطة مدتها 15 شهرًا مع الانتخابات والدستور والسيادة.
- حوافز الاعتراف إذ يربط الاتحاد الأوروبي والدول العربية الاعتراف بالامتثال.
- المساءلة: عبر منظومة من العقوبات موجهة ضد المفسدين المحتملين
المخاطر الاستراتيجية وخطوط التصدع في المبادرة:
تقف قوى الحرب والعدوان لتعزز مخاطر إحباط المبادرة.
فجوة المصداقية: لا شك أن ثمة فجوة جدية في مصداقية المجتمع الدولي والنظام الدولي تجاه الصراع العربي / الإسرائيلي إذ يعتمد الإنفاذ على المشاركة الدولية المستدامة.
عنف المفسدين: قد تصعد ميليشيات المستوطنين أو فصائل حماس العنف كإشارة.
صلابة / هشاشة الائتلاف الدولي: في ظل التحولات الدولية التكتونية، إذ ثمة مخاطر من انقسام القوى الداعمة تحت ضغط الصراعات الدولية والإقليمية والضغوط الداخلية.
مخاطر المواعيد وضغط الوقت: قد يكون 15 شهرًا غير كاف لإنجاز عملية بهذا العمق والتعقيد قد يعرضها للانهيار
تكاليف الجمهور: ثمة مخاطر ناجمة عن ردود حول نقص إعداد الجمهور لدى الطرفين وفي الإقليم بشكل عام على المبادرة وتداعياتها المحتملة.
النجاح/ الإخفاق، الآثار المترتبة
نلخص بشكل مقتضب جدًا تداعيات النجاح أو الإخفاق في هذه المبادرة التاريخية.
النجاح: تؤسس المبادرة عند نجاحها لحل مديد مع تسلسل محكوم، وتوفير، وسائل الإنفاذ، والاعتراف. الأمر الذي يفترض أن يخفف من حدة فيما هو سابقة تاريخية لإنفاذ السلام المتعدد الأطراف في واحد من أعقد الصراعات الدولية.
لكن النجاح الجزئي: يخاطر بتجميد النزاع مع الاحتفاظ بمكاسب إنسانية مثل تأمين قدر من الاستقرار في غزة، والاعتراف الجزئي بالدولة الفلسطينية. الأمر الذي سيعني تعزيز شرعية السلطة الفلسطينية، ولكن تأخير السيادة.
إحباط المبادرة: يحمل احتمال إحباط هذه المبادرة من قبل المفسدين مخاطر شديدة. اذ سيسمح هذا الإحباط باستعادة المفسدين المتطرفين لزمام المبادرة والهيمنة على صعيد الإقليم، كما يخاطر بنزع الشرعية عن وساطة الأمم المتحدة. والأهم أنه يخاطر بعودة الصراع وما يحمله من تصعيد محتمل.
التفويض الدولي: يتعلق الكثير من مصير المبادرة على تحقيق تفويض قوى من مجلس الأمن ووضع حوافز عقوبات مستهدفة، وجدول زمني للاعتراف.
فقد تختار إسرائيل الانخراط أو المقاومة والتأخير. وقد تختار السلطة الفلسطينية السير بجراءة نحو الإصلاح الداخلي، أو إنها تختار الامتثال الجزئي والإبقاء على المكاسب والحال الراهن بما يحمله ذلك من فراغ إداري وتمرد شعبي فلسطيني.
ثمة مخاطر جدية لضعف التزام الفرقاء الدوليين بتدابير الإنفاذ الضعيف الأمر الذي يؤكد على أهمية وجود تفويض بائن صريح وعدم السماح بجداول زمنية غامضة، ورفع تكاليف تخريب الاتفاق على الفرقاء. لذلك يصبح المحور الحاسم هو خيار التنفيذ بحيث يمكن تخفيف حتى المقاومة الإسرائيلية عبر الضغط المعايَر.
في يوليو 2025م، عقدت المملكة العربية السعودية وفرنسا بشكل مشترك مؤتمرًا دبلوماسيًا رفيع المستوى في نيويورك مخصصًا لإحياء الزخم من أجل حل الدولتين التفاوضي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وجمعت المبادرة، التي تهدف إلى حشد الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية، ممثلين من أوروبا والعالم العربي بالإضافة إلى جهات فاعلة دولية أخرى.
كانت الرسالة ذات شقين: الإشارة إلى تصميم الرياض على موقعها كمدافعة عن الحقوق الفلسطينية ووسيط مركزي للاستقرار الإقليمي، وإبلاغ إسرائيل بأن مثل هذه الدولة، في ظل الظروف المناسبة، يمكن أن تعزز أمنها بدلًا من تقويضه.
تعبر الدفعة الدبلوماسية الأخيرة للمملكة العربية السعودية، بالشراكة مع فرنسا والدعوة لحل الدولتين عن موقعها المركزي كمهندس رائد للاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، فإن عقيدة إسرائيل الأمنية حتى قبل 7 أكتوبر تتعارض بشكل أساسي مع هذا النهج. وتحاول إسرائيل، من خلال إعطاء الأولوية للهيمنة العسكرية على التسوية السياسية، إغلاق الباب فعليًا أمام حل النزاع، ورفض أي إطار يُمَكِن السلطة الفلسطينية، مهما تم إصلاحها، من تحقيق حوكمة ناجحة أمام الإصرار الإسرائيلي على السيطرة المباشرة.






